الغيرة للمحبوب أن تنتهك حدوده، وأن يعتدى عليه هذه هي ثمار المحبة.
لقد بكيت كمدًا وحزنًا هذا الأسبوع من هذا المنظر الذي رأيته، يصور اليهود الرسول صلى الله عليه وسلم على صورة خنزير، ويكتبون عليه اسمه الصريح ويدوسون القرآن بأرجلهم!! وما ذاك إلا لأنهم يخاطبون أمةً ميتة، فهل لهذا الرسول في الدنيا العريضة مؤمنون به ومحبون له؟!! لقد بكيت كمدًا، وإنما يبكي الحر من القهر قاتل الله السياسة التي لا تخضع للدين! بأي وجهٍ يجلس المفاوض مع اليهود؟! على ماذا يتفاوض؟! قطعة أرض، ما بقي بعد الذي حدث شيء يسب نبينا صلى الله عليه وسلم ونسكت!!.
إذًا: أين الحب الذي ندعيه؟! إن احتلال اليهود لأرضنا وأخذهم لها شبرًا شبرًا لأهون عند الله عز وجل ورسوله وعباده المؤمنين من سب الله ورسوله، فعلى أي شيءٍ يتفاوضون؟! على أرض! ما قيمتها؟! {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ} [الحج:41] ، بغير هذه العلامات وبغير هذه الرتب لا يحل لنا أن نرث الأرض.
ولو أن رجلًا عربيًا جاهليًا لا يدين بدين -كافرٌ بالله العظيم- حدث له عشر هذا؛ لانتفض ولرده أنفة وحياءً وكبرًا.
إن للشاعر الجاهلي في حرب البسوس أبياتًا صارت في كل الأمصار، واختارها أبو تمام وأودعها في القطعة الثانية في ديوان الحماسة.
يقول: صَفحْنا عَنْ بَنِي ذُهْلٍ وَقُلْنا الْقَوْمُ إخْوَانُ عَسَى الأَيَّامُ أنْ يَرْجعْنَ قَوْمًا كَالَّذِي كَانُوا فلَمَّا صَرَّحَ الشَّر فَأَمْسَى وَهْوَ عُرْيانُ وَلَمْ يبقَ سِوَى العُدْوَانِ دِنَّاهُمْ كْمْا دَانُوا مَشَيْنا مِشْيَةَ اللَّيْثِ غَدَا واللَّيْثُ غَضْبَانُ بِضَربٍ فِيه تَوْهِينٌ وتَخضِيعٌ وإقرَانُ وطَعنٍ كَفَم الزِّقِّ غدا وَالزِّقُّ ملآنُ وبعضُ الحلمِ عندَ الجَهلِ لِلذِّلَّةِ إذعَانُ وَفِي الشَّرِّ نَجَاةٌ حِينَ لاَ يُنْجِيكَ إِحْسَانُ وتأمل البيتين الأخيرين: وَبَعْضُ الْحِلْمِ عِنْدَ الْجَهْلِ لِلذِّلَّةِ إذْعَانُ إنسان يضرب ولا يرد، لماذا؟ لأنه حليم، ويضرب المرة الثانية ولا يرد؛ لأنه حليم، وكذلك في الثالثة والرابعة والعاشرة، لا يرد لأنه حليم!! فهذا ليس بحلم، وإنما استكانة وإذعان وضعف.
وَبَعْضُ الْحِلْمِ عِنْدَ الْجَهْلِ لِلذِّلَّةِ إذْعَانُ فإذا صفحت مرة وثانية وثالثة ولم تجد مكانًا لهذا الإحسان فما بقي إلا الشر.
وَفِي الشَّرِّ نَجَاةٌ حِينَ لاَ يُنْجِيكَ إِحْسَانُ وهاهم العرب ما زالوا مصرين على السلام مع اليهود مع ارتكابهم لهذا الجرم الشنيع! فيا ترى: أي سلام يتحدثون عنه؟! وقد حذر الدعاة وبحت أصواتهم وجفت حلوقهم أن اليهود لا عهد لهم، وهم في تحذيرهم يستقون كلامهم من كتاب الله عز وجل، ومع ذلك ترى محاولة استئناف المفاوضات لاستعادة الثقة! الثقة بمن؟ بالذي يصور النبي صلى الله عليه وسلم على صورة خنزير، ويطأ القرآن بقدميه؟!! هذا الذي جرى لا يجبره إلا الدم، وليس له علاج إلا الدم.
وما وصل اليهود إلى هذا إلا بعدما علموا يقينًا أن هذه الأمة ماتت، وأنه ليس هناك أحدٌ يتخذ لها قرارتها، فقادتها كذبة كلهم، فالذين يدعون أن قرارهم بأيديهم لا يستطيعون فعل شيء، وكلنا يعرف هذه الحقيقة.
صورة خنزير ينتسب إليها ألف مليون رجل على عجرهم وبجرهم، لكن كلهم مجمع على تعظيمه صلى الله عليه وسلم، وعلى توقيره ولو بالدعوة الكاذبة!!! أين الموالد التي تقام كل عام في محبة النبي عليه الصلاة والسلام؟! أين الذين يتشدقون بمحبته في الموالد؟! وها نحن في شهر ربيع، وبعد عشرة أيام ستسمع الموالد والجحافل، وسترى الطرقات ممتلئة بهؤلاء الذين يدعون حبه صلى الله عليه وسلم، وكلٌ يدعي حب النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أهين، وصور بأخس دابة على وجه الأرض، فما هي ردة فعلنا؟!