ـ [أبو أسامه] ــــــــ [13 - 07 - 08, 04:24 ص] ـ
الحوار بين إظهار الحق والتفريط فيه
أ. د. ناصر العمر 8/ 7/1429
لقد أرسى القرآن الكريم في كثير من آياته أسس الحوار ومبادئه مع كل أصناف البشر، سواء كانوا مسلمين أو مشركين أو أهل كتاب. والمتأمل لكتاب الله عز وجل يجده مليئًا بالحجج التي حاور بها الكفار للدلالة على وحدانية الله عز وجل وعلى صدق النبي صلى الله عليه وسلم، كما يجده مليئًا بالردود على الشبه التي أثارها هؤلاء وأولئك لمعارضة ما جاء به النبي عليه السلام من النور.
ولعل أول حوار على وجه الأرض لبيان الحق حوار ابني آدم. وليس الحوار أمرًا جديدًا في دعوة الأنبياء، فقد وقع منذ أرسل الله عز وجل أول رسله إلى بني آدم بعد أن غيروا الملة الأولى ووقعوا في الشرك، فبعث الله إليهم نوحًا عليه السلام فحاورهم على مر ألف سنة إلاّ خمسين عامًا، حتى إن قومه لكثرة ما حاورهم وحاول إقناعهم ببطلان ما هم عليه قالوا له في نهاية المطاف: (يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) [هود/32] ، وعلى دربه سار هود وصالح ولوط وشعيب وغيرهم من أنبياء الله عليهم السلام، أما إبراهيم عليه الصلاة والسلام فقد حاور أباه وحاور قومه وحاور النمرود وحاور ابنه إسماعيل عليه السلام، وموسى صلى الله عليه وسلم حاور فرعون وحاور قومه، وحاور عيسى عليه السلام بني إسرائيل وحاور الحواريين، أما نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فسيرته مليئة بالحوار مع المشركين وأهل الكتاب والمنافقين بل مع الصحابة وأهل بيته الكرام وكل ذلك في القرآن مسطور.
والحوار ضرورة بشرية لا يستغني عنها مجتمع مهما صغر، فالرجل وزوجه يتحاوران، والأب مع ابنه يتحاوران، بل إن الإنسان لا غنى له عن الحوار مع نفسه التي بين جنبيه!
ولئن كان الحوار مع أصناف المخالفين لدعوة الأنبياء منهجًا ربانيًا، فإنه منضبط بضوابط ربانية لا يحق لأتباع الأنبياء الخروج عنها إن كانوا صادقين في دعوى الإتباع، وأول هذه الضوابط وأهمها على الإطلاق تحديد الهدف الرئيس من الحوار، وليس هدافًا عند أهل الحق أجل من الاجتماع على توحيد الحق كما قال تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) [آل عمران/64] ، ثم يأتي بعد ذلك مبدأ عدم تمييع الحق أو المزج بينه وبين الباطل، كما قال سبحانه: (وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) [البقرة/42] ، وفي خطابه لأهل الكتاب قال: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) [آل عمران/71] ، ولهذا أمر الله نبيه أن يعلنها صريحة في حواره مع الكافرين فقال سبحانه: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ(1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (4) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6 ) ) [الكافرون] ، وذلك في مواجهة رغبة الكافرين (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ) [القلم/9] .
ثم إن هذا الحوار لا يكون أبد الدهر مع المخالف المعين، لأنه عند أهل الحق ليس مطلوبا لذاته لكنه وسيلة لغاية، وهذا واضح جلي في آية آل عمران السابقة (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) ، فإن تولوا فها هنا تكون المفاصلة، فنحن مسلمون فحسب، لسنا خليطًا من مسلمين ونصارى ويهود وبوذيين ومجوس، فلهؤلاء دينهم ولنا دين، ولئن جمعتنا البشرية والبلدان فقد فرقتنا العقائد والأديان، فنعطي لما جمعنا حقه، ونعطي لما فرقنا حقه كذلك، ومن أعظم ما يرسم معالم ذلك سورة الفرقان.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)