إن دعوة غير المسلمين إلى الإسلام وترغيبهم في الدخول فيه من أوجب الواجبات على أهل الإسلام، لا سيما الدعاة والعلماء منهم، وقد جاءت نصوص الكتاب والسنة تُرَغّب في ذلك وتدعو إليه، قال تعالى: ? وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ?. وقال صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه:"فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدا خير لك من حُمر النعم".قال ابن القيم رحمه الله تعليقا على هذا الحديث: (إذا اهتدى رجل واحد بالعالِم كان ذلك خيرًا له من حُمر النعم، وهي خيارها وأشرفها عند أهلها، فما الظن بمن يهتدي به كل يوم طوائف من الناس) . ولم ينتشر هذا الدين إلا بسبب عوامل عديدة من أبرزها يسر الإسلام.
ومن تتبع أحوال بعض دعاة فقه التيسير المعاصر يرى أن هذا السبب قد طغى على كتاباتهم، وأن الترغيب في الدخول إلى الإسلام يمثل الهمّ الأكبر لبعضهم - فجزاهم الله خيرًا -، لكن هذا الهم - على جلالته - مَثَّل مزلقًا أُهدرت فيه كثير من قواعدنا العلمية وقضايانا الفقهية ومسائلنا الدينية. لقد أصبح واضحًا على دعاة هذا المنهج أن الرغبة في نشر الإسلام بدا غاية تذلل أمامها كل العقبات، ويسلك لأجلها جميع القنوات حتى ولو كان بعضها محرّما، فهاهو الغزالي ينصح ويوجه دعاة الأمة بقوله: (وأوصي الدعاة الذين يذهبون إلى كوريا ألا يفتوا بتحريم لحم الكلاب، فالقوم يأكلونها، وليس لدينا نص يفيد الحرمة، ولا نريد أن نضع عوائق أمام كلمة التوحيد وأصول الإسلام) . ويا سبحان الله! هل يمكن أن يصدق أحد أن المانع لهؤلاء القوم من الإسلام هي هذه الأمور، بل إن من يفعل ذلك سيخسر الاثنين، فلا القوم أسلموا حين أُذن لهم بأكل لحوم الكلاب، ولا هذا حفظ كرامة النصوص من التغيير والتبديل.
2 -كثرة الهجرة والابتعاث إلى بلاد الغرب:
ومع أن الابتعاث كان ولا يزال رافدًا من أهم روافد الاتصال الحضاري بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية، وقد أفرزته المعطيات الحضارية وفروقها بين الحضارتين؛ إلا أن الكثير ممن هناك تسيطر على عقليته مظاهر الانبهار والتأثر سلبًا بفكر المجتمع الغربي وسلوكه، وعند الرجوع إلى أرض الوطن يكون سفيرًا لتوجهات فكرية وسلوكية تنتمي إلى حضارة أجنبية، والتاريخ شاهد على ذلك، فقد عاد كثير من المبتعثين المسلمين إلى بلادهم وهم يحملون أفكار الغربيين لا علومهم وتقدمهم، فكانوا نواة لحركة تغريبية - كما سبق - في العالم الإسلامي.
3 -الانبهار بالحضارة الغربية:
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (فالانتفاع بآثار الكفار والمنافقين في أمور الدنيا جائز، كما يجوز السُّكنى في ديارهم ولبس ثيابهم وسلاحهم .... وأخذ علم الطب من كتبهم مثل الاستدلال بالكافر على الطريق واستطبابه، بل هذا أحسن، لأن كتبهم لم يكتبوها لمعين من المسلمين حتى تدخل فيها الخيانة)
ويقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله: (والتقسيم الصحيح يحصر أوصاف المحل الذي هو الموقف من الحضارة الغربية في أربعة أقسام لا خامس لها، حضرا عقليا لا شك فيه: الأول: ترك الحضارة نافعها وضارها، الثاني: أخذها كلها ضارها ونافعا، الثالث: أخذ ضارها وترك نافعها، الرابع: أخذ نافعها وترك ضارها. فنرجع بالسبر الصحيح إلى هذه الأقسام الأربعة، فنجد ثلاثةً منها باطلةً لا شك، وواحدًا صحيحًا بلا شك)
آثار ظهور منهج التيسير المعاصر
أولًا / الآثار التشريعية:
1 -التفلّت من بعض الأحكام الشرعية:
فمن باب ما يسمى بـ (فقه الأولويات) ظهرت اختلالات كثير في مراتب الأعمال والأحكام الشرعية - لأجل الأخذ بالتيسير - في كثير من كتابات أصحاب هذا الاتجاه، ومن أبرز ما نتج عن ذلك أمران:
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)