الله عليه وسلم له أو محبته ورضاه به، مثل ما أخبر به من أحاديث الفتن والهرج والقتل ونحو ذلك.
خامسًا / تعميم قاعدة عموم البلوى في التخفيف:
وعموم البلوى هو شيوع البلاء بحيث يصعب على المرء التخلص منه والابتعاد عنه، إلا أنه ليس كل ما عمت به البلوى يجلب التيسير والتخفيف، فهناك شروط وضوابط لاعتبار عموم البلوى سببًا للتيسير وهي:
1 -أن يكون عموم البلوى متحققا لا متوهما، بحيث يعسر الاحتراز منه ويكون وقوعه عاما لجميع المكلفين وشاملا لهم.
2 -أن يكون عموم البلوى من طبيعة الشيء وحاله، لا أن يكون ناشئًا من تساهل المكلف في التلبس يذلك الشيء.
3 -أن لا يدخل المكلف في الحادثة التي تعمّ بها البلوى بقصد حصول الرخصة.
4 -أن يكون الترخص في حال عموم البلوى مقيدا بتلك الحال، ويزول بزوالها.
سادسًا / جعل الخلاف دليلًا:
فقد اتخذ كثير من دعاة منهج التيسير المعاصر من الخلاف توسعة على الناس، بمعنى أنه يسع كل واحد أن يأخذ بما شاء من الأقوال، وأصبحنا نسمع ونقرأ بكثرة: (المسألة فيها خلاف فلا حرج عليك) . وهذا غير صحيح فالخلاف يعد توسعة في مجال الاجتهاد ووجوده يدل على أن الأمر معروض للنقاش والترجيح لا على أن الناس لهم أن يأخذوا بقول أي واحد منهم وإن لم يكن الحق عنده.
والمتخيّر بين الأقوال المختلفة بمجرد موافقة الغرض الذي في نفسه لا يخلو من ثلاث حالات:
1 -إما أن يكون حاكمًا بهذا القول، فلا يصح اختياره على الإطلاق؛ لأنه إن كان متخيرا بلا دليل فلا حق لأحد الخصمين على التالي، لأن هذا لن يخلو من الحيف على الطرف الثاني.
2 -وإما أن يكون مفتيا به، فهذا قد أفتى في النازلة بالإباحة وإطلاق العنان، وهو قول ثالث خارج عن القولين، وهذا لا يجوز له إن لم يبلغ درجة الاجتهاد باتفاق.
3 -وإما أن يكون عاميا، فهو قد استند إلى شهوته وهواه، وإتباع الهوى عين مخالفة الشرع.
أسباب ظهور منهج التيسير المعاصر
والأسباب الداعية لظهور هذا المنهج كثير متعددة، نكتفي هنا بذكر بعض منها:
أولًا / الجهل بأحكام الشريعة ومقاصدها:
وهذا السبب يدور حول ثلاث محاور:
1 -الجهل بالنصوص الشرعية: فتجد البعض يفتي - تيسيرًا للناس - بما يناقض أحاديث الصحيحين أو أحدهما مناقضة صريحة، ومن ذلك قول الشيخ الغزالي رحمه الله: (وأوصي الدعاة الذين يذهبون إلى كوريا ألا يفتوا بتحريم لحم الكلاب، فالقوم يأكلونها، وليس عندنا دليل يفيد الحرمة) ، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"كل ذي ناب من السباع فأكله حرام"، قال العلماء: (يدخل في هذا الأسد والنمر والفهد والذئب والكلب) .
2 -سوء فهم النصوص الشرعية: وهذه آفة قديمة اُبتليت بها النصوص الشرعية، ومنها تخصيص ما هو عام أو تقييد ما هو مطلق دون مخصص ولا مقيّد، أو أن ينظر إلى النصوص معزولة عما قبلها وما بعدها، أو معزولة عما ورد في موضوعها من نصوص أخرى تحدد مدلولها، أو معزولة عما يؤيدها من إجماع يقيني لم يخرقه أحد على مر العصور، بل قد لا يقف الأمر عند حد سوء الفهم، بل يصل إلى حد التحريف الجائر لكلام الله تعالى وكلم رسوله صلى الله عليه وسلم وإخراجه عن المراد به تمامًا. فمن ذلك مثلا ما ادعاه بعضهم من أن تفسير قوله تعالى: ? وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ? أي من الوقار، وليس من القرار!، وفي هذا مخالفة لجمهور العلماء الذين قالوا بأن (قرن) من القرار.
3 -الجهل بمقاصد الشريعة: فمتى جهل المفتي بمقاصد الشريعة كان ذلك مجالًا واسعًا لتنزيل النصوص على وقائع مغايرة لمراد النص، فيظن في حكمٍ ما تيسيرًا وما هو كذلك، جهلًا منه بالمقصد.
4 -الجهل بما تؤول إليه الأحكام: إن العلم بما تؤول إليه الأحكام، وفقه الموازنة بين المصالح والمفاسد؛ فقه عزيز لا يناله من العلماء إلا من وُفّق. يقول ابن القيم رحمه الله: (فإذا حرّم الرب تعالى شيئًا، وله طرق ووسائل تفضي إليه فإنه يحرّمها ويمنع منها، تحقيقًا لتحريمه وتثبيتًا له، منعًا أن يقرب حِماه، ولو أباح الوسائل والذرائع المفضية إليه لكان ذلك نقضًا للتحريم) ، ثم ذكر رحمه الله جملة من الأمثلة، منها:
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)