وقدْ تجاوزَ غالبُ هؤلاءِ المحتسبينَ المصلحينَ الغاياتِ الشخصيةَ إلى التعبدِ المحضِ -نحسبُهم واللهُ حسبهم- متلذِّذينَ بالعملِ، متحمِّلينَ كلَّ مشقةٍ في سبيلِ القضاءِ على الفسادِ وإصلاحِ الخللِ، مخلِّفينَ الدُّخلاءَ على الإصلاحِ، ومترَّفعينَ على كلِّ جعجعةٍ تنتقصُ الاحتساب. وبينَ الاحتسابِ والإصلاحِ من التلازمِ ما يجعلُ كلَّ"محتسب"مصلحًا؛ وكلَّ"مصلح"محتسبًا؛ ويا باغيَ الحسناتِ أقبلْ فثمَّ الربحُ الأكيد.
ولما لهذينِ الأمرينِ من أثرٍ حميدٍ علينا في ديننا ودنيانا، واقتداءً بما درجَ عليهِ عددٌ من العلماءِ والأدباءِ والكتَّابِ في المشاركةِ الكتابيةِ مع المصلحين؛ رأيتُ الإشارةَ إلى بعضِ الأفكارِ والمداخلِ والمحاذيرِ حولَ هذينِ البابينِ الكبيرينِ من أبوابِ الجهادِ والفضلِ والخيريةِ، وهم القومُ لا يشقى بهم جليسهم، ولوْ لمْ يكنْ منهم؛ فمنها:
1 -أهميةُ التخصص؛ لأنَّ كلَّ متخصصٍ سيكونُ مشروعَ دراسةٍ وافيةٍ ومقنعة. وثمَّ تخصصاتٌ تشتدُّ الحاجةُ إليها؛ كالإعلامِ والإدارةِ والمالِ والقانونِ، على أنْ يُسبقَ القانونُ بدراسةٍ شرعيةٍ مستفيضة، والواجبُ تحديدُ الفنونِ التخصصيةِ الملِحّةِ والمهمَّةِ حتى يحتسبَ الأخيارُ والنوابغُ بدراستها والتعمقِ فيها.
2 -ضرورةُ إجراءِ دراساتٍ محكمةٍ من قِبَلِ المختصينَ تحتَ إشرافِ عالمٍ أو أكثر؛ فكلُّ دراسةٍ متقنةٍ تعني قربَ ميلادِ مشروعٍ ناجح.
3 -من المهمِّ أنْ تكونَ بدايةُ كلِّ عملٍ مباركٍ بدايةً قويةً صحيحة؛ ولهذهِ البدايةُ أركانٌ هي: المتخصصون، والدراساتُ، والمواردُ البشريةُ والمالية، وحسنُ الإدارةِ مع براعةِ التسويق. ولا يعني هذا تأخيرَ كلِّ مشروعٍ حتى تتكاملَ هذهِ الأركانُ، غيرَ أنَّ وجودَ ما فوقَ الحدَّ الأدْنى منها عاملٌ مهم في نجاحِها بعدَ توفيقِ الله.
4 -العنايةُ الخاصةُ بمؤسسي المشروعِ وجمهورهِ المباشرِ وتلبيةِ حاجاتِهم الفطريةِ والاستجابةِ لرغباتِهم ما دامتْ شرعيةً ولا تخالفُ أهدافَ المشروع؛ مع إيجادِ سبلٍ وقنواتٍ للتواصلِ وإبداءِ الآراءِ والمقترحات.
5 -إبرازُ الإيجابياتِ التي تعودُ على المجتمعِ والدولةِ كأثرٍ ميمونٍ لمشاريعِ الخير؛ فحلقُ القرآنِ المنتشرةُ في المساجدِ تعينُ النَّاسَ على تربيةِ أولادهم وتخرِّجُ للمجتمعِ جيلًا محافظًا وللدولةِ شبابًا متشبعينَ بالقيمِ الدينيةِ التي ترى الطاعةَ بالمعروف، وما هذهِ المحاضنُ الراقيةُ إلاَّ جهدُ محتسبٍ وسعيُ مصلحٍ والأجرُ على الله. وقدْ قاربتْ أرباحُ أحدِ المصارفِ التي حولتْ عملياتِها إلى مصرفيةٍ شرعيةٍ كاملةٍ ألفي مليونِ ريالٍ عام 2006م، وهي السنةُ التي اكتمل بنهايتها التحول، في حين توقفتْ هذهِ الأرباحُ عندَ ثمانمائةِ مليونٍ قبلَ ذلكَ بعامٍ واحد؛ أي سنةَ 2005هـ.
6 -حمايةُ كلِّ فكرةٍ وعملٍ من المفسدين؛ وهؤلاءِ هم الفئةُ الضالةُ من الجفاةِ الذينَ لا يرقبونَ في مؤمنٍ عهدًا ولا قرابةً، ولا يرعونَ مصلحةَ مجتمعٍ أو دولة، ويشاطرُهم على الطرفِ الآخرِ غلاةٌ تعجلوا فأفسدوا، ونسألُ اللهَ لنا ولهم جميعًا الهدايةَ والصلاح.
7 -يظلُّ التقويمُ والتطويرُ مطلبًا ملِحًّا على صعيدِ القياداتِ الإداريةِ والأفكارِ والإجراءاتِ والخطط؛ فالدُّنيا في تطورٍ مذهلٍ، والرَّكبُ لا ينتظرُ أحدًا، والتطويرُ لا يغيرُ من حقيقةِ العملِ شيئًا.
8 -ستبقى مشاريعُ المصلحينَ المحتسبينَ محكومة بضوابطِ الشرعِ الحكيمِ ومتماشيةً مع مقتضياتِ الأدبِ ولوازمِ احترامِ الأنظمةِ المرعية؛ وقدْ نبَّأنا اللهُ -سبحانه- عن سخريةِ الكفارِ والمنافقينَ بالمصلحين وعمَّا يقارفونه من إرجافٍ وتخذيل؛ والحكماءُ وأصحابُ الرسالةِ يمضونَ نحوَ مطلوبِهم الأعلى؛ فهم كالغيث المباركُ يحيي البلادَ ويسعدُ العبادَ ولا عزاءَ للكارهين.
9 -مشوارُ الإصلاحِ طويلٌ طويل؛ والصبرُ سلاحُ المؤمن، ومن الحكمةِ أنْ يكونَ الإصلاحُ بعدَ الاحتسابِ وأن يسيرا في طريقينِ متوازيينِ بتعاونٍ وتنسيق، ومن الكياسةِ ضبطُ خطواتِ الاحتسابِ ومراتبِه حتى لا تؤخرَ أو تعوقَ مسيرةَ الإصلاح؛ فالنُّفوسُ قدْ تستكبرُ عن الاعترافِ بالخطأ، لكنَّها لا تمانعُ من وجودِ الصوابِ؛ إحلالًا له مكانَ الباطلِ أو مزاحمًا له.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)