فإن جرى البيع والمبيع بموضع لا يختص بالبائع كشارع أو ساحة مباحة أو دار للمشتري كفى نقله إلى حيِّز ليتمَّ القبض أي نقله من موضعه إلى موضع آخر وإن جرى البيع والمبيع في دار البائع لم يكفِ في قبضه ذلك النقل إلا بإذن البائع فيه فيكون مع حصول القبض به مغيرًا للبقعة التي أذن في النقل إليها أما إذا نقل المشتري من غير إذن البائع فقد دخل المبيع في ضمانه لاستيلائه عليه ومن المنقول الدابة والسيارة والسفينة فيسوقها أو يدفعها أو يجرها ومن المنقول الثوب فيكفي لقبضه أن يتناوله.
فرع: للمشتري قبض المبيع من غير إذن البائع إن لم يكن له حق الحبس بأن كان الثمن مؤجلًا أو سلمه الثمن الحالَّ وإلا أي وإن لم يسلمه الثمن فلا يستقل به أي بالقبض وعليه إن استقل به أن يرده لأن من حق البائع حبس المبيع حتى بقبض الثمن ولا ينفذ تصرف المشتري فيه لكن يدخل في ضمانه أما لو كان الثمن مؤجلًا وحلَّ قبل القبض استقل البائع به كما قال الأسنوي وقال غيره: لا يستقل لأنه من حق المشتري لأن البيع مؤجل وقد رضي البائع بالتأجيل ابتداءً له أن يطالب بالثمن لا أن يحبس المبيع.
ولو بيع الشيء تقديرًا كثوب ذرعًا وحفظة كيلًا أو وزنًا اشترط في قبضه مع النقل في المنقول ذرعه إن كان مذروعًا أو كيله إن كان بيع مكيلًا أو وزنه إن كان بيع موزونًا أو عدَّه إن كان بيع معدودًا وهو ما يُعَدُّ عادة لخبر مسلم (من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يكتاله) وأخرج البيهقي وغيره عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهي عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصَّاعان: صاع البائع وصاع المشتري، فدل ذلك على أنه لا يحصل البيع إلا بالكيل وليس ذك معتبرًا لمن يبع الجزاف إجماعًا فتعين ما قدر بكيل وقيس عليه الباقي وأجرة الكيال أو الوزان أو من ذرعه أو عده على البائع وأجرة النقل على المشتري مثاله في المكيل بعتُكَها أي العبرة كلَّ صاع بدرهم أو بعتُكها بكذا على أنها عشرة آصع فلو قبض ما ذكر جزافًا لم يصح لكن يدخل المقبوض في ضمانه ولو كان لبكر مثلًا طعام مُقَدَّرٍ على زيد كعشرة آصع سلمًا ولعمرو عليه مثله فليكن لنفسه من زيد حتى يدخل المكيل في ملكه ثم يكيل لعمرو لأن الإقباض هنا متعدد ومن شَرْطِ صحتِهِ الكيلُ فلزم تعدد الكيل لأن الكيلين قد يقع بينهما تفاوت، نعم لوكان قبضه في المكيال وسلمه لغريمه صح لأن استدامة المكيال من الأول إلى الثاني ومن الثاني إلى الثالث كابتدائه ومن الأول إلى الثالث. ويقال في الوزن والذرع كذلك. لأمر النبي صلي الله عليه وسلم يجريان صاع البائع وصاع المشتري فلو قال بكر لعمرو اقبض من زيد مالي عليه لنفسك عن نفسي ففعل فالقبض فاسدٌ بالنسبة له أما بالنسبة إلى القائل فصحيح تبرأ به ذمة زيد لإذنه في القبض منه ووجه فساده لعمرو كونه قابضًا لنفسه من نفسه فقبض عمرو مشروط بتقدم قبض بكر الذي له الطعام ولم يوجد ولا يمكن حصولهما.
فرع: قال البائع لا أُسلِّم المبيعَ حتى اقبض ثمنه وقال المشتري في الثمن مثله أي لا أسلِّمه الثمن حتى اقبض المبيع وترافعا إلى الحاكم أجبر البائع لرضاه بتعلق حقه بالذمة ولأن ملك البائع مستقر وملك المبيع للمشتري غير مستقر فعلى البائع تسليمه المبيع للمشتري ليستقر ملكه وفي قول المشتري لأن حق المشتري يتعلق بالعين لا يفوت وحق البائع غير متعين في الثمن فأجبر المشتري ليتساويا في التعيين وفي قول لا إجبار فمن سلم أُجْبِر صاحبه على التسليم وفي قول يجبران فيُلزِم الحاكم كلَّ واحد منهما بإحضار ما عليه إلى الحاكم أو إلى عدلٍ فإن أحضراه سلم الثمن إلى البائع والمبيع إلى المشتري ويبدأ بأيهما شاء قلت فإن كان الثمن معينًا سقط القولان الأولان وأجبرا في الأظهر والله أعلم أي من الأقوال الأربعة السابقة لاستواء الجانبين لأن الثمن في المبيع كالمبيع في تعلق الحق بالعين وإذا سلم البائع المبيعَ أُجبِرَ المشتري إن حضر الثمن على تسليمه للبائع وإلا يكن الثمن حاضرًا في مجلس العقد فإن كان معسرًا فللبائع الفسخ بالفَلَس وأخذ المبيع أو موسرًا وماله بالبلد أو بمسافة قريبة أي دون مسافة القصر حجر عليه في أمواله كلها حتى يُسلّم الثمن لئلا يتصرف فيها بما بفوت حق البائع ويسمى هذا الحجرُ الحجرَ الغريبَ فإن كان ماله بمسافة القصر لم يكلف البائع الصبر إلى إحضاره لتضرره
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)