فإذا كان المنازعون لك القائلون بأنه على العرش يلزمهم كلهم القول بأنه جسم فكيف تحتج عليهم بأن هذا يستلزم أن لا يقطع بحدوث كل الأجسام، وهذا عندك حقيقة المذهب، فهل تحتج على إبطال المذهب بنفس حكاية المذهب مع ظهور القول بالنزاع فيه؟!
وهذا أمر يشهد له الحس، فإن أجزاء الماء وإن تفرقت وتصاغرت ليست في الحقيقة مثل أجزاء التراب، ولا أجزاء الذهب وإن تصاغرت مثل أجزاء الفضة، وإن كانت هذه الأجزاء / الصغار ليست هي الجواهر المنفردة بل تلك أصغر منها فإما أن يستدل بما شهد في المحسوسات على ما لم يعلم منها وبقياس غائبها عن الإدراك على شاهدها فهذا من أوضح القياس وأثبته، وهو قياس الأجزاء المتساوية في الحقيقة بعضها على بعض في حكم تلك الحقيقة، فإن تفاوتها بالصغر والكبر لا يوجب اختلاف حقيقتها وصفتها، وإما أن لا يقال [كذا] إن ذلك الجزء الذي لا ينقسم لا يعلم حكمه.
[قال المحقق: هكذا في (ل) و (ط) ، ولعلها: فلا يقال]
[قلت: لعل الصواب: وإما أن يقال]
ومن طلب الموافقة على ثبوت الشيء بدون لازمه ليحتج بذلك على نفي اللازم لم يكن علينا أن نوافقه، بل لم يكن لنا أن نوافقه؛ فإن نفي اللازم يقتضي نفي الملزوم، فإذا وافقناه على ثبوت الملزوم كنا في الحقيقة موافقين له على نفي الملزوم الذي قد وافقناه في الظاهر على ثبوته، وإذا كانت الموافقة على ثبوت الشيء تقتضي نفيه لم تجز الموافقة عليه.
فالنافي لا ينفي شيئا قط إلا ما له نظير فيما أدركه؛ لأن نفس المنفي ما علمه أصلا؛ لأن النفي المحض لا يعلم بنفسه فإن النفس لا تباشر المعدوم حتى تشعر به وإنما تباشر الموجود وتقيس له نظيرا فينفي ذلك النظير عما هو منتف عنه مثل نفيها لجبل ياقوت وبحر زئبق ونحو ذلك بعد أن علمت البحر والزئبق والجبل والياقوت، ثم قدرت معلوما مؤلفا من شيئين نظيرهما / موجود ثم نفته
إذ العلوم الكلية الذهنية مسبوقة بالعلوم المعينة الوجودية، فلو لم يكن في الأجسام ما هو واحد امتنع حكم الذهن بأن الواحد نصف الاثنين، وهذا من أوائل العلوم البديهية التي يضرب بها المثل في النظر والمناظرة
وإذا كانت هذه الحجة تستلزم هذا الكفر فهي تستلزم أيضا / نقيض المطلوب؛ لأن المقصود بنفي وحدة الجسم إثبات تركيبه من الأجزاء المفردة التي كل منها واحدا [كذا] فإذا نفيت وحدة الجوهر الفرد استلزمت إبطاله، وإذا بطل الجوهر الفرد امتنع كون الجسم مركبا من الجواهر المنفردة فيلزم أن يكون واحدا فصارت هذه الحجة المذكورة لنفي وحدة الجسم مستلزمة لوحدته ونافية لوحدة الجوهر الفرد أيضا وكل هذا تناقض، واعجب من هذا!
ثم إذا كانوا في الأجسام المشهودة قد اضطربوا أو تحيروا في تركيبها وانقسامها وعدوا ذلك من محارات العقول كيف يصح منهم الحكم على رب العالمين بمثل هذه الأمور نفيا وإثباتا، وهذا بين ولا حول ولا قوة إلا بالله
أما إدخال الله وغيره من المخلوقات تحت قضية كلية تتضمن قياس / شمول، وكل قياس شمول متضمن لقياس تمثيل، فإن هذا / لا يجوز، لا لما يثبت من الصفات ولا لما ينفى.
هب أنه يمكن فرض [الصواب فرضه] متيامنا عن العالم أو متياسرا
ومنازعة الإنسان فيما لا يعتقده تضييع زمان ونوع من الكذب والبهتان.
ولا ريب أنهم إنما عدلوا به في هذه المعاني لينفوها عنه ظانين أن هذا تنزيه لله وتقديس، لم يقصدوا أن يثبتوا له مثلا، ولكن قدر المثل لينفوه لكن لزمهم التمثيل من وجهين:
أحدهما: أنهم سووا بين الله وبين غيره في هذه المقاييس الشمولية المنطقية وهي الأمثال التي ضربوها له فجعلوه فردا من أفراد تلك الأمور العامة وحكموا عليه بمثل ما حكموا به على سائر الأفراد
الوجه الثاني: أن هذه المعاني التي ينفونها هي ثابتة في نفس الأمر معلومة بالكتاب والسنة وبالفطرة والعقل وبالقياس أيضا، فإذا مثلوه فيها بالمخلوقات فقد صرحوا بجعل الأنداد / له والأمثال والأسماء ثم إنهم عطلوا فجحدوا الحقائق التي هي ثابتة للرب وعطلوا ما في الكتاب والسنة والإجماع من بيان ذلك والدلالة عليه وعطلوا ما في القلوب من المعرفة الفطرية والقياسية فصاروا معطلين للحقيقة الخارجية والعلوم الثابتة بالنبوات المعروفة بالقلوب، فعطلوا الشرع والعقل جميعا مع دعواهم العقليات كما عطلوا التوحيد مع دعواهم أنهم هم
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)