ولقد ورد في بعضها عن «علي الأحمر» [1] من نحاة الكوفيين وكان مؤدب الأمين أنه قال: «قعدت مع الأمين ساعة من نهار، فوصل إلي فيها ثلاثمائة ألف درهم، فانصرفت وقد استغنيت» [2] ،
إياك أن تعتقد في استجلاب هذا العلم لأموال ذوي الدنيا أنه يجوز القصد إليه ابتداء حين الاشتغال بطلبه، أو بعد حصول ما قسم الله منه، لأنه ترجيح لتحصيل المال على ادخار العلم، وذلك جهل بالحقائق، وعمل على خلاف شهادة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه في حديث كميل:
«العلم خير من المال إلى آخره [3] » .
وفي معناه قال بعضهم [4] أنشده الشيخ أبو عمر:
«العلم زين وكنز لا نفاد له ... نعم القرين إذا ما عاقلا صحبا
قد يجمع المرء مالا ثم يسلبه ... عما قليل فيلقى الذل والحربا
وجامع العلم مغبوط به أبدا ... فلا يحاذر فوتا لا، ولا هربا 108و / /
يا جامع العلم، نعم الذخر تجمعه ... لا تعدلن به درا ولا ذهبا» [5]
وأيضا لما انضم إلى جملة العلوم الشرعية، وكان المقدم فيها من جهة ما هو الباب الأول إلى فهمها، كان ذلك القصد ابتداء مخلا بشرط طلب الشارع له، وهو التوسل به إلى فهم ما هو وسيلة إلى التعبد به إلى الله تعالى لما تقرر أن كل علم شرعي لا يطلب من جهة ما يتوسل به إليه، وهو العمل، والعمل يخل به ذلك القصد، فكذا في هذه الوسيلة إليه، وإن تأخرت عنه بمرتبة أو مراتب،
(1) في الأصول: خلف الأحمر، وهو خطأ لأنه كان معلم أهل البصرة، وهو بصري، ومعلم الأصمعي، ولم يكن مؤدب المأمون.
(2) انظر: طبقات الزبيدي: 134.
(3) انظر 34ظ / من مخ «أ» . ص: 196195من هذا الكتاب.
(4) في جامع العلم 1/ 51: أنه لبعض المحدثين.
(5) انظر م. س: 1/ 57.