فهرس الكتاب

الصفحة 398 من 488

ويكفي في التحذير من ذلك القصد قوله صلى الله عليه وسلم: «من تعلم علما مما يبتغي به وجه الله، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة» .

واعتبر بما نقل في أخبار الفضلاء من أهل هذا العلم في التنزه عن الاستشراف به إلى حطام الدنيا.

فقد تقدم [1] في إعراض المازني عن قبول ما عرضه عليه الذمي ليجيبه إلى قراءة الكتاب عليه، ما يدل على نزاهته، وخلوص نيته في صون هذا العلم وحفظه من الطمع به في نيل ما بأيدي الناس خصوصا إذا كانوا ممن يتأكد طلب ترك القبول منهم، وعند ذلك لما علم الله تعالى صدق نيته فيما ترك، جاد عليه بأضعافه على وجه لا يخل بخصوصية، ولا يغض من منصب إمامة.

وقد سبق الخليل رحمه الله إلى تخليد محمدة هذه النزاهة اللائقة بأمثاله من جلّة العلماء، فحكى ابن خلكان: «أنه كان له راتب على سليمان بن حبيب بن المهلب بن أبي صفرة، وكان والي فارس والأهواز [2] ، فكتب الخليل جوابه:

أبلغ سليمان أني عنه في سعة ... وفي غنى غير أني لست ذا مال

سخّى [3] بنفسي، أني لا أرى أحدا ... يموت هزلا [4] ولا يبقى على حال 108ظ / /

والرزق عن قدر، لا الضعف ينقصه ... ولا يزيدك فيه حول [5] محتال

والفقر في النفس لا في المال تعرفه ... ومثل ذاك الغنى في النفس لا المال

فقطع عليه سليمان الراتب، فقال الخليل نظما آخر، فبلغ سليمان، فقام،

(1) انظر ص: 106ومن مخ «أ» ، ويقابله ص: 393من هذا الكتاب.

(2) الأهواز: ج هوز: وأصله: حوز، فلما كثر استعمال الفرس لهذه اللفظة غيرتها حتى أذهبت أصلها، فالأهواز اسم عربي سمي به في الإسلام، وكان اسمها في أيام الفرس: خوزستان وهي سبع كور بين البصرة وفارس فتحها حرقوص بن زهير السعدي في خلافة عمر بن الخطاب.

معجم البلدان: 1/ 286284، والروض المعطار: 6261.

(3) في الوفيات 2/ 246: شحّا، وسخى بنفسه: تركه، ولم تنازعه نفسه إليه.

(4) الهزل: الفقر.

(5) الحول: الحيلة والقوة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت