خامسًا: صفتي الغضب، ونحوهما: إذا قرأوا من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ما دل على إثبات الغضب والرضا، والفرح، والحياء، والضحك والتعجب، والرحمة ونحوها لله تعالى - فهموا أنها كيفيات وعوارض نفسانية [1] وأنها تغيرات، وانفعالات يجب تنزيه الله تعالى عنها [2] وأنها انفعالات نفسانية [3] ، وأنه تعالى لا يوصف بالأعراض المحسوسة، والكيفيات النفسانية [4] .وقالوا: إنما يصار إلى المجاز لاستحالة الحقيقة على الله تعالى، لأنها عبارة عن حالة نفسانية فالكل في حقه تعالى محال [5] .
سادسًا: صفة الكلام: وإذا تصوروا صفة الكلام يتبادر إلى أذهانهم"الآلة والجارحة" [6] أي اللسان، والفم، والشفتان، والأسنان، والحلق كزعم الجهم تمامًا كما سبق، وأنه يلزم كون الله تعالى محلًا للحوادث، والأعراض [7] .
ولذلك تراهم يعطلون صفة الكلام، ويقولون ببدعة الكلام النفسي وببدعة القول بخلق القرآن، ويصرحون بأنه لا خلاف بينهم وبين المعتزلة في مسألة خلق القرآن غير أن المعتزلة لا يقولون ببدعة الكلام النفسي والماتريدية جمعوا بين بدعتين خطيرتين بدعة القول بخلق القرآن، وبدعة القول بالكلام النفسي، ولذا ينفون سماع كلام الله.
سابعًا: رؤية المؤمنين ربهم بالأبصار في الآخرة:
هكذا تراهم يشترطون شروطًا وقيودًا سلبية في مسألة رؤية الله تعالى؛ لأنه تبادر إلى أذهانهم رؤية الجسم. يقول أبو منصور الماتريدي:"فإن قيل: كيف يرى؟ قيل: بلا كيف، إذ الكيفية تكون لدى صورة بل يرى بلا وصف قيام وقعود واتكاء وتعلق واتصال وانفصال ومقابلة ومدابرة، وقصير وطويل، ونور، وظلمة وساكن ومتحرك، ومماس ومباين، وخارج وداخل ولا معنى يأخذه الوهم أو يقدره العقل لتعاليه عن ذلك" [8] .
فأنت ترى أيها المسلم أن هذه الشروط السلبية مخالفة للعقل والنقل والفطرة واللغة، فهم في الحقيقة وقعوا في رفع النقيضين كما أنهم وقعوا في نفي علو الله تعالى بل نفي وجود الله، فإن هذه صفات المعدوم كما أنهم وقعوا في نفي الرؤية البصرية أيضًا وإن تظاهروا بإثباتها. ولذلك جعل عقلاؤهم هذا الخلاف بينهم وبين المعتزلة لفظيًا؛ لأن الماتريدية جوزوا رؤية"أعمى""الصين""بقَّةً"في الأندلس" [9] .قلت: هذه ليست رؤية بصرية؛ لأنه لا شك أن رؤية أعمى الصين"بقةً"في الأندلس - والأعمى يكون في المشرق، والبقة تكون في المغرب- إنما هي رؤية القلب التي هي علم ومعرفة؛ ولذلك حكم عليهم شيخ الإسلام بأنهم جعلوا رؤية الله تعالى مستحيلة [10] ، وصار قولهم هذا ضحكة متناقضًا محالًا سفسطة حتى عند المعتزلة والروافض [11] ."
هذه كانت بعض نماذج لهذه الشبهة قدمناها من كتب الماتريدية.
المصدر:الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات لشمس السلفي الأفغاني 1/ 470
(1) انظر (( المسايرة مع المسامرة ) ) (ص 29) .
(2) المصدر نفسه و (( إشارات المرام ) ) (ص 110) .
(3) (( إشارات المرام ) ) (ص 189) ، (( نشر الطوالع ) ) (ص 312) .
(4) (( حاشية العصام على شرح العقائد النسفية ) ) (ص 159) .
(5) (( إشارات المرام ) ) (ص 187)
(6) (( حاشية العصام على شرح العقائد النسفية ) ) (ص 181) .
(7) (( شرح العقائد النسفية ) ) (ص 55) ، (( حاشية العصام عليه ) ) (ص 184 - 185) ، (( المسايرة ) ) (ص84) ، (( حاشية عبدالحكيم على حاشية الخيالي على شرح العقائد النسفية ) ) (ص 264، 28، 40، 46، 63) ، و (( النبراس ) ) (ص 141) .
(8) (( كتاب التوحيد ) )للماتريدي (ص 85) ، وانظر أيضا (( ضوء المعالي شرح بدء الأمالي ) )للقاري (ص 43) وراجع أيضًا إلى (( شرح العقائد النسفية ) ) (ص 73) ، و (( البداية من الكفاية ) ) (ص 74) ، و (( المسايرة مع المسامرة ) ) (ص 41، 43، 46) ، و (( أصول الدين ) )لأبي اليسر البزدوي (ص 77) ، (( إشارات المرام ) ) (ص 201 - 203) ، و (( حاشية الكستلي ) ) (ص 107) ، و (( نشر الطوالع ) )، (ص 265) ، و (( الطريقة المحمدية ) ) (ص 17) ، و (( شرح المواقف ) ) (8/ 116، 143) .
(9) انظر (( حاشية الكستلي على شرح العقائد ) ) (ص 108) ، و (( حاشية الخيالي على شرح العقائد النسفية ) ) (ص 73) ، و (( حاشية البهشتي على حاشية الخيالي على شرح العقائد ) ) (ص 73) ، و (( إشارات المرام ) ) (ص 202) ، و (( حاشية أحمد الجندي على شرح العقائد ) ) (ص 141) ، و (( حاشية عبدالحكيم على الخيالي ) ) (ص 284) ، و (( حاشية العصام على شرح العقائد ) ) (ص 199) ، (( أصول الدين لأبي اليسر البزدوي ) ) (ص 77) ، و (( المسايرة مع المسامرة ) ) (ص 41، 69) ، و (( شرح المواقف ) ) (8/ 139) ، و (( راجع شرح المقاصد ) ) (4/ 197) .
(10) (( بيان تلبيس الجهمية ) ) (ص 72 - 78) ، و (( المراكشية ) ) (ص 49) ، (( مجموع الفتاوى ) ) (5/ 175) .
(11) راجع (( منهاج الكرامة في إثبات الإمامة ) )لابن المطهر الحالي 726هـ (ص 18) ، وانظر أيضا (( منهاج السنة ) )لشيخ الإسلام (2/ 75) ، الطبعة القديمة، و (3/ 340 - 341) ، الطبعة المحققة، و (( المنتقى ) )للذهبي (ص 151) .