لقد كابر الماتريدية بداهة العقل الصريح كما ناقضوا النقل الصحيح، وخالفوا إجماع بني آدم في قولهم: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصل به ولا منفصل عنه، ولا فوق العالم ولا تحته.
أما بيان مخالفتهم للنقل الصحيح والإجماع المحقق الثابت فقد تقدم بيانه في المبحثين السابقين.
وأما بيان مكابرتهم لبداهة العقل الصريح فمن وجوه عقلية صريحة متعددة. ولقد ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله منها ثلاثين وجهًا [1] .
وأكتفى بذكر بعضها فأقول وبالله التوفيق:
الوجه الأول:
أننا جميعًا نحن وخصومنا على علم اليقين لا يحتمل النقيض بالاضطرار من دين الإسلام والعقل الصريح والفطرة الصحيحة: أن الله تعالى خلق هذا الكون بعد أن لم يكن.
فنسأل الماتريدية: هل خلق الله تعالى هذا الكون في ذاته المقدسة؟.
فيكون الكون داخلًا في ذات الله تعالى! والعياذ بالله منه!.
أم أن الله تعالى خلق الكون خارجًا عن ذاته المقدسة؟.
فإن اخترتم الصورة الأولى: فقد كفرتم كفرًا قبيحًا صريحًا، لأنه حلول فظيع شنيع.
وإن اخترتم الصورة الثانية: فقد اعترفتم بأن الله تعالى خارج عن هذه الأكوان وهذا هو المطلوب. فبطل قولكم: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه. وإن تقولوا: لا نقول بالصورة الأولى ولا بالثانية - فقد كابرتم بداهة العقل الصريح كما عارضتم النقل الصحيح وخرجتم عن إجماع بني آدم وأكرهتم أنفسكم على مخالفة الفطرة المستقيمة [2] .
الوجه الثاني:
أن نقول لهؤلاء المنكرين لفوقية الله تعالى على خلقه القائلين: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه، ولا متصل به ولا منفصل عنه، ولا فوق ولا تحت:
نسألكم أولًا: هل وجود رب العالمين وجودٌ ذهنٌّ؟.
أم وجودُه وجود خارجيٌّ؟.
فإن قلتم وجوده وجود ذهني - فقد صرتم في غاية التعطيل لرب العالمين - وأنكرتم وجوده إنكارًا واضحا، وصرتم كفارًا كفرًا فاضحًا، وهذا لا تقولون به.
وإن قلتم وجودهُ وجودٌ خارجي، نسأكلم ثانيًا:
هل رب العالمين عين هذه الأكوان؟ أم غيرها؟
فإن قلتم: هو عين هذه الأكوان: ارتديتم بالإلحاد الصريح والكفر القبيح وجحدتم الرحمن رب هذه الأكوان، فكفركم حينئذ أقبح من كفر النصارى الحمير البلداء الحمقى عبدة الصلبان.
وإن قلتم: هو غير هذه الأكوان - نسألكم ثالثًا:
هل هذه الأكوان في ذات رب العالمين؟ أم ذات الرحمن في هذه الأكوان؟.
فبأيهما قلتم - صرتم حلوليين ملحدين، وشرًا من النصارى، وحينئذ يرحب بكم النصارى ويقبلون خدودكم.
وإن قلتم: ننفي الأمرين جميعًا - نسألكم رابعًا:
هل رب العالمين مستغن عن هذه الأكوان قائمٌ بنفسه؟ أم هو عرضٌ من الأعراض قائم بغيره؟.
فإن قلتم بالثاني: أتيتم بكفرٍ أقبح أشنع، وإلحادٍ أصرح أبشع.
وإن قلتم بالأول: فقد اعترفتم بأن الله تعالى خارجٌ عن هذه الأكوان مستغن عنها وهو المقصود.
فبطل زعمكم: أن الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوق ولا تحت ... وإلا فقد كابرتم صريح المعقول كما عارضتم صحيح المنقول.
وفي ذلك يقول الإمام ابن القيم رحمه الله:
وسل المعطل عن مسائل خمسة ... تردى قواعده من الأركان
قل للمعطل هل تقول: إلهنا الـ ... ـمعبودُ حقًا خارج الأذهان
فإذا نفى هذا فذاك معطل ... للرب حقًا بالغ الكفران
(1) انظر (( الصواعق المرسلة ) ) (4/ 1279 - 1340) .
(2) راجع (( الرد على الجهمية ) )للإمام أحمد (ص 138 - 139) ، و (( مجموع الفتاوى ) ) (5/ 267، 320) ، و (( الصواعق المرسلة ) ) (4/ 1241 - 1422، 1279 - 1309، 1339) ، و (( القصيدة النونية ) ) (ص 54 - 55) ، و (( شرحها توضيح المقاصد ) ) (1/ 385 - 386) . و (( توضيح الكافية الشافية ) ) (57 - 58) ، و (( شرح النونية ) )للدكتور هراس (1/ 173 - 176) .