فهرس الكتاب

الصفحة 775 من 4723

لقد عرضت للمعطلة بما فيهم الماتريدية شبهة - هي أساس كل فساد وضلال- حول صفات الله تعالى، ونصوصها في الكتاب والسنة، وهي أن ظاهر نصوص الصفات تشبيه الله تعالى بخلقه، ولو تركنا هذه النصوص على ظاهرها بدون تفويض أو تأويل، وأثبتنا ما تدل عليها دلالة حقيقة من العلو، والاستواء، والنزول، والوجه، واليدين، والغضب، والرضى، ونحوها، ولم نصرفها إلى المعاني المجازية، يلزم من ذلك تشبيه، وهذا يخالف التنزيه.

وهذه الشبهة هي أصل أصولها الثلاثة الأخرى، وهي:

1 -أن العقل يستحيل ما تدل عليه ظواهر هذه النصوص، وهي ظواهر ظنية في معارضة البراهين العقلية القطعية فنقدم عليها البراهين العقلية.

2 -أما هذه الظواهر الظنية فهي إما أن نفوض معانيها إلى الله تعالى كما فعله السلف في زعمهم الباطل.

3 -وإما أن نؤولها بأنواع من المجازات إلى معانٍ توافق البراهين العقلية، كما سيأتي تفصيل ذلك في الفصول الثلاثة الآتية.

وأنا بمشيئة الله تعالى أتحدث في هذا المبحث عن هذه الشبهة التي هي أم الشبهات، وأذكر تاريخها، ثم أذكر نماذجها عن كتب الماتريدية حيث طبقوها عمليًا على صفات الله تعالى، ثم أناقشهم في المبحث الثاني بتوفيق الله عز وجل، فأقول وبه أستعين.

لما كانت قلوب السلف الصالح وفيهم الإمام أبو حنيفة سليمةً وفطرهم مستقيمةً، وأذهانهم صافيةً مطهرةً من أرجاس الفلسفة وأنجاس بيئة الكلام، لم يخطر ببالهم أن نصوص الصفات توهم التشبيه ولا ظنوا أن صفات الله تعالى تشبهُهُ صفاتُ المخلوقين، فكان منهجهم إثباتًا بلا تمثيل وتنزيهًا في بعض الصفات كالقول في بعضها على طريقة واحدة، فلم يكن عندهم شيء من التشبيه والتعطيل ولا عندهم شيء من التفويض والتأويل كما سيأتي.

وتحقيقًا لما قلنا وتمثيلًا لذلك أُقدِّم نصًا للإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى، ليكون قولا فاصلا قاطعا قاضيا على الماتريدية:"وله يد ووجه ونفس كما ذكره الله تعالى في القرآن، فما ذكره الله تعالى في القرآن من ذكر الوجه، واليد، والنفس فهو له صفات بلا كيف، ولا يقال: إن يده قدرته، أو نعمته، لأن فيه إبطال الصفة، هو قول أهل القدر والاعتزال، ولكن يده صفة بلا كيف، وغضبه، ورضاه صفتان من صفاته تعالى بلا كيف" [1] .وقال:"لا ينبغي لأحد أن ينطق في الله تعالى بشيء في ذاته، ولكن نصفه بما وصف سبحانه به نفسه .." [2] .وقال:"لا يوصف الله بصفات المخلوقين، وغضبه ورضاه صفتان من صفاته بلا كيف، وهو قول أهل السنة والجماعة، وهو يغضب ويرضى ولا يقال: غضبه عقوبته، ورضاه ثوابه، ونصفه كما وصف نفسه ..." [3] .

فهذه عقيدة الإمام أبي حنيفة - تمثل عقيدة السلف في الصفات وتقضي على شبهة التشبيه أولًا وعلى التفويض ثانيًا والتأويل ثالثًا.

ولكن الحنفية الماتريدية لسبب تأثرهم ببيئة الجهمية تخيلوا من صفات الله تعالى ما يليق بالمخلوقين فكان هذا هو الدافع لهم على التفويض أو التأويل كما كان الجهمية الأولى تزعم أن إثبات الصفات لله تعالى كفر وتشبيه؛ بل القرامطة الباطنية بنوا التعطيل على هذه الشبهة نفسها.

(1) (( الفقه الأكبر مع شرحه ) )للقاري (ص 58 - 59) و (( مع شرحه ) )للمغنيساوي (ص 13) .

(2) رواه الإمام القاضي أبو العلاء صاعد بن محمد إمام الحنفية في كتابه الاعتقاد عن أبي يوسف عنه. انظر (( جلاء العينين ) )لنعمان الآلوسي (ص 368) .

(3) (( الفقه الأبسط ) )لأبي حنيفة - تحقيق الكوثري (ص56) وسكت عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت