فهرس الكتاب

الصفحة 1898 من 4723

المطلب الأول: بين العقل والشرع في التحسين والتقبيح

للعلماء اتجاهان في تحديد موقف الخوارج من العقل

الاتجاه الأول: وهو اتجاه من يذهب إلى أن الخوارج يرون قدرة العقل على إدراك المعرفة بنفسه مستقلًا عن السمع، وأن السمع إنما يأتي مصدقًا لأحكامه، وبناء على هذا الاتجاه يصح لنا أن نصف الخوارج بأنهم عقلانيون، وذلك لأنهم قدموا العقل في كثير من القضايا مدعين أنه يستطيع أن يصل إلى معرفة الأشياء الحسنة والأشياء القبيحة بنفسه وأن العدل ما يقتضيه العقل، وهذا هو مذهب المعتزلة. وفي هذا يذكر الشيخ المفيد أن المعتزلة والخوارج والزيدية متفقون في هذا الاعتقاد، أي القول باستطاعة العقل معرفة الواجبات الشرعية، دون السمع، يقول الشيخ المفيد في هذا:"أما المعتزلة والخوارج والزيدية فعلى خلاف ذلك أجمعوا وزعموا أن العقول تعمل بمجردها عن السمع" [1] .

وقد ظهر تمسك الخوارج بالتحسين والتقبيح والعقليين في أكثر أمورهم التي ادعوا أن العقل يدرك حقيقتها دون الرجوع إلى الحكم الشرعي فيها لتصحيح الحكم بحسنها أو قبحها، بل العقل يدرك في كل خصلة مدى قبحها أو حسنها، بما في الفعل من خاصية يدرك العقل حين وردوها عليه الحكم فيها، والشروع حين يحكم فيها بحكم إنما يأتي كمخبر عنه وليس مثبتًا للحكم فيها. وفي هذا يقول البغدادي بعد أن ذكر بعض الفرق التي اتفقت في الاعتقاد في هذا الباب وهم الثنوية والتناسخية والبراهمة والخوارج والكرامية والمعتزلة ... إلخ، اتفق هؤلاء كلهم فيما يذكر:"فصاروا إلى أن العقل يستدل به على حسن الأفعال وقبحها على معنى أنه يجب على الله الثواب والثناء على الفعل الحسن، ويجب عليه الملام والعقاب على الفعل القبيح، والأفعال على صفة نفسية من الحسن والقبيح، وإذا ورد الشرع بها كان مخبرًا عنها لا مثبتًا لها" [2] .بينما الأمر عند أهل الحق في التحسين والتقبيح كما يقول:"أن العقل لا يدل على حسن الشيء وقبحه في حكم التكليف من الله شرعًا" [3] .وقد اعتبر ابن الجوزي الخوارج هم أول من نادى بتحسين العقل وتقبيحه، أي قبل ظهور المعتزلة، وما المعتزلة عنده إلا آخذة عن الخوارج هذا الأصل ومقلدة، لهم ويقول في ذلك:"ومن رأي هؤلاء (يعني الخوارج) أحدث المعتزلة في التحسين والتقبيح إلى العقل وأن العدل ما يقتضيه" [4] .ويقول عنهم عثمان بن عبد العزيز الحنبلي في مخطوطته"منهج المعارج":"ومن رأيهم (الخوارج) أخذت المعتزلة التحسين والتقبيح بالعقل وضرب الأمثال به، وأن العدل ما يقتضيه" [5] .

(1) نقلًا عن (( آراء الخوارج ) ) (ص 165) .

(2) (( نهاية الأقدام ) ) (ص 370، 371) .

(3) (( نهاية الأقدام ) ) (ص 370، 371) .

(4) (( تلبس إبليس ) ) (ص 96) .

(5) نقلًا عن (( آراء الخوارج ) ) (ص 117) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت