فهرس الكتاب

الصفحة 3124 من 4723

المبحث الثالث: وحدة الأديان

خرافة كبيرة من خرافات الصوفية، وشطحة من شطحاتهم الكثيرة، وهي لا تخرج إلا من خيال مريض يظن أنه يتسامح إنسانيًا، ولكنها في نفس الوقت فكرة خطيرة لأنها تصادم سنن الله في الكون والحياة ومنها سنة الصراع بين الحق والباطل، بين الخير والشر، والجمع بين الكل على قد المساواة هو خبث مركز لهدم الإسلام أو هذيان مقلد لا يدري ما يقول، وإلا فكيف نسوي بين من يعبد الله سبحانه وتعالى وحده وبين من يعبد البقر، أو حرف كتب الله وعبد أنبيائه، كيف نجمع بين الإيمان والكفر هذا لا يكون إلا ممن يؤمن بوحدة الوجود كابن عربي وتلامذته الذين يعتقدون أن كل موجود على الأرض صحيح ولا داعي للتفرقة، والله أوسع من أن يحصره عقيدة معينة فالكل مصيب"وأما عذاب أهل النار فهو مشتق من العذوبة" [1] ؟!!.

ويترجم ابن عربي هذه العقيدة شعرًا فيقول:

لقد صار قلبي قابلًا كل صورة ... فمرعى لغزلان ودير لرهبان

وبيت لأوثان وكعبة طائف ... وألواح توراة ومصحف قرآن

أدين بدين الحب أنّى توجهت ... ركائبه فالحب ديني وإيماني

وينسج على منواله صديقة ابن الفارض فيقول:

وما عقد الزنار حكمًا سوى يدي ... وإن حل بالإقرار فهي حلت

وإن خرّ للأحجار في البد عاكف ... فلا وجه للإنكار بالعصبية

وإذا كان بعض المعتدلين يحذرون من كتب ابن عربي، مع أنهم لا يعتقدون بكفره ويبررون أقواله ويأولونها فإننا لم نسمع منهم أحدًا يحذر من شعر جلال الدين الرومي مع أن المعجبين به كثر وخاصة بين مسلمي الهند وتركيا، وهذه إحدى قصائده يتشبه فيها بأستاذه ابن عربي:

انظر إلى العمامة أحكمها فوق رأسي ...

بل انظر إلى زنار زاردشت حول خصري ...

فلا تنأ عني لا تنأ عني ...

مسلم أنا ولكني نصراني وبرهمي وزرادشتي ...

توكلت عليك أيها الحق الأعلى ...

ليس لي سوى معبد واحد ...

مسجدًا أو كنيسة أو بيت أصنام ...

ووجهك الكريم فيه غاية نعمني ...

فلا تنأ عني، لا تنأ عني [2] .

فصلوات اليهود، وعقد زنار النصارى، وبد الوثنية في الهند ومساجد الله كلها عند هؤلاء ساح فساح يعبد فيها الله [3] .

ونحن وإن كنا لا نتهم كل الصوفية بهذه البدعة لأن القول بها ضلال وكفر وانحراف ولا يقول به إلا غلاتهم، إلا أن أجواء الصوفية ربما تساعد على نشوء مثل هذه الأفكار أو قريبًا منها، فالاستغراق في توحيد الربوبية وأن الله رب كل شيء ومليكه، وفي القضاء والقدر الكوني الذي يسري على المؤمن والكافر، دون الإلتفات إلى جانب الأمر والنهي الشرعيين والمخاطب بهما المؤمنين والذي هو جانب توحيد الألوهية، والاستغراق في كلمات ذوقية مثل الحب الإلهي والعشق الإلهي، كل هذا أدى إلى قول أبي يزيد البسطامي عندما اجتاز بمقبرة اليهود:"معذورون"ومر بمقبرة المسلمين فقال"مغرورون"ثم يخاطب الله سبحانه وتعالى:"ما هؤلاء حتى تعذبهم حطام جرت عليهم القضايا، اعف عنهم" [4] وكأنه يريد أن يثبت رحمته للجنس البشري كله، وكأنه أرحم من الله سبحانه بعباده، ومن هذا القبيل ما روى الأمير شكيب أرسلان عن أحمد الشريف السنوسي [5] أن عمه الأستاذ المهدي كان يقول له:"لا تحتقرن أحدًًا لا مسلمًا ولا نصرانيًا ولا يهوديًا ولا كافرًا لعله يكون في نفسه عند الله أفضل منك إذ أنت لا تدري تكون خاتمتك" [6] . وهذا الكلام غير صحيح من الشيخ السنوسي لأننا عندما نحتقر الكافر نحتقره لكفره وعندما يسلم نحترمه لإسلامه ونحن لنا الظاهر، ولكن أثر التصوف واضح فيه وإن كنت لا أعتقد أنه ممن يقول بوحدة الأديان.

إن هذه العقيدة شبيهة بأفكار الماسونية التي تدعو إلى وحدة الإنسانية وترك الاختلاف بسبب الأديان فليترك كل واحد دينه وعقيدته وإنما تجمعنا الإنسانية، دعوة خبيثة ملمسها ناعم ولكنها تحمل السم الزعاف في أحشائها.

المصدر:الصوفية نشأتها وتطورها لمحمد العبدة، وطارق عبد الحليم

(1) (( هذه هي الصوفية ) ) (95) .

(2) (( مجلة العروة الوثقى ) )عدد 61 لعام 1403 هـ برئاسة تحرير عبد الحكيم الطيبي.

(3) (( هذه هي الصوفية ) ).

(4) يدوي: (( تاريخ التصوف ) ) (28) .

(5) من زعماء الحركة السنوسية التي ظهرت في ليبيا في العصر الحاضر ولهم مواقف ضد الإستعار الإيطالي.

(6) (( حاضر العالم الإسلامي ) ) (2/ 164) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت