المبحث الثاني: اتهام الأئمة الأربعة بإحداث مذاهب مخالفة للكتاب والسنة ومن أقوال علماء الاثني عشرية في هذا قول البياضي عن أئمة المذاهب الأربعة وأتباعهم: (المخالف أخذ دينه عن القياس والاستحسان، ونحن أخذناه عن أئمة الأزمان الذين أخذوا التحريم والتحليل عن جدّهم النبيل عن جبرائيل عن الرب الجليل) [1] .
كما عقد فصلًا عنون له بقوله: (كلام في القياس عدلوا به عن الكتاب والسنّة) ، ثم أنشد في موضع آخر:
إن كنت كاذبًا في الذي حدثتني ... فعليك وزر أبي حنيفة أو زفر
المائلين إلى القياس تعمُّدًا ... العادلين عن الشريعة والأثر [2]
كما قال أيضًا متكبّرًا متعاليًا: (فهذه قطرة من بحار اختلافهم، خالفوا فيها كتاب ربّهم وسنّة نبيّهم، ولهم أقوال أخر شنيعة في أحكام الشريعة) [3] .وقال علاّمتهم ابن المطهر الحلي في منهاج الكرامة: (وذهب الجميع منهم إلى القول بالقياس، والأخذ بالرأي، فأدخلوا في دين الله ما ليس منه ... وأهملوا أقاويل الصحابة) [4] .وأما محمد باقر المجلسي فقد أورد بعض الأخبار عن علمائهم عتبوا فيها على الأئمة السنية مخالفتهم آراء الصحابة رضي الله عنهم - في زعمهم -، ولا سيما أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ومن ذلك قول بعضهم: (لا أحد من الفقهاء إلا وقد خالف أمير المؤمنين في بعض أحكامه ورغب عنها إلى غيرها) [5] .وقال أيضًا: (وليس في فقهاء الأمصار سوى الشافعي إلا وقد شارك الشافعي في الطعن على أمير المؤمنين، وتزييف كثير من قوله، والردّ عليه في أحكامه ... وهذا ما لا يذهب إليه من وُجد في صدره جزءٌ من مودّته وحقّه الواجب له) [6] .
والجواب عن هذه الاتهامات الخطيرة يأتي في نقاط:
أولًا: إن دعوى اتفاق الأئمة الأربعة أو تواطئهم على مخالفة الكتاب والسنة، لا بينة عليها ولا دليل، وقد تكلّمتُ عن ذلك في المطلب السابق، وسوف أنقل - بعد قليل إن شاء الله تعالى- شيئًا من أقوالهم الدالة على شدة تمسّكهم بالكتاب والسنة في جميع فتاويهم وأحكامهم.
وأما بالنسبة لأقوال الصحابة رضي الله عنهم، فكيف يأخذ الروافض على غيرهم مخالفة الصحابة رضي الله عنهم وهم يحكمون بكُفْرِ هؤلاء الصحابة وضلالهم؟!
إنه لأمرٌ عجيب وغريب، بل وخدعة ومكرٌ عظيم!! وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [الأنفال:30] .وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (متى كان مخالفة الصحابة والعدول عن أقاويلهم منكرًا عند الإمامية؟! هؤلاء متّفقون على محبة الصحابة وموالاتهم وتفضيلهم على سائر القرون، وعلى أن إجماعهم حجّة ... فكيف يطعن عليهم بمخالفة الصحابة من يقول: إن إجماع الصحابة ليس بحجّة، وينسبهم إلى الكفر والظلم؟) [7] .
(1) (( الصراط المستقيم ) ) (3/ 207) .
(2) (( الصراط المستقيم ) ) (3/ 210) .
(3) (( الصراط المستقيم ) ) (3/ 205) ، وانظر أيضًا (3/ 195) .
(4) (( منهاج الكرامة ) )للحلّي (ص: 93) نقلًا عن (( منهاج السنة النبوية ) ) (3/ 400 - 401) .
(5) (( بحار الأنوار ) ) (10/ 444 - 445) .
(6) (( بحار الأنوار ) ) (10/ 444 - 445) ، وانظر أيضًا: (2/ 286، 288 - 289) فيما يتعلق بالطعن في الأئمة الأربعة وأتباعهم بسبب القول بالقياس، وكذلك (2/ 298) و (10/ 230) (باب الاحتجاج على المخالفين) .
(7) (( منهاج السنة النبوية ) ) (3/ 405 - 406) .