وهذه الأدلة العقلية أقيسة ..
القياس الأول: وهو قياس الميت على الحي في الطلب منه والاستغاثة!:
القياس الثاني: قياس الواسطة في العبادة على الواسطة في الرسالة!
القياس الأول: وهو قياس الميت على الحي في الطلب منه والاستغاثة!:عقد النبهاني في كتابه (شواهد الحق) عدة فصول لإثبات دعوته في جواز الاستغاثة برسول الله صلى الله عليه وسلم - مطلقًا حيًا وميتًا وفي أي أمر من الأمور! - فعقد الفصل الأول، وسرد أدلةً فيه طلب الصحابة منه أن يدعو الله لهم بالسقيا [1] وسماه هو استغاثة [2] ، ثم إنه في الفصل الثاني سرد أحاديث الشفاعة ليثبت جواز الاستغاثة به في الآخرة [3] ، ثم قال مستدلًا على جوازها مطلقًا:"... ودلالة ذلك على جواز الاستغاثة به وحسنها ونفعها بعد مماته أيضًا لوقوعها في حياته الدنيوية والأخروية" [4] ، ثم أكد هو وغيره هذه المسألة بذكر حياة الأنبياء في قبورهم [5] .
والجواب:
1 -قد تقدم سابقًا أن الميت لا يسأل مطلقًا ولا يستغاث به، وأما الحي فيستغاث به فيما يقدر عليه، وعليه فلو سلم لهم قياسهم هذا لما صح لهم الاستدلال به على سؤال الموتى كل شيء - فإن كان المخلوق حيًا لا يستطيعه فقياسهم يقتضي ألا يستطيعه ميتًا.2 - ثم إن الصواب هو عدم صحة قياس حياة البرازخ على الحياة الدنيا لاختلافهما، ولو استقام ذلك فليتخذوا الرسول صلى الله عليه وسلم إمامًا يقتدي به في الصلاة! أوليستفتوه في المسائل وهكذا ... [6] ! 3 - ثم إن كون الأنبياء أحياءً في قبورهم: لا يسوغ للناس أن يستغيثوا بهم حتى على فرض سماعهم كل شيء، - مع أنه لا سبيل إلى إثباته -. وإن سمى القائمون بهذا الفعل عملهم توسلًا، أي أنهم يدعونهم ليشفعوا لهم عند الله ويتوسلوا لهم - فيجعلون عملهم نوعًا من الأسباب التي يقبل بها الدعاء، فهذا خطأ لإنه لا يوجد دليل في الشرع لإثبات أن هذا النوع من العمل سبب في إجابة الدعاء [7] ، ثم على فرض أن ما ذكره هؤلاء هو مقصود عباد القبور فإنهم يطالبون الفرق بينهم وبين شرك الأوائل تقدم نقل صور شركهم عن الرازي والتفتازاني وغيرهما من الأئمة، ولن يجدوا فرقًا.
القياس الثاني: وهو قياس الواسطة في العبادة على الواسطة في تبليغ الرسالة: قالوا:"إن مراعاة جانب الله تعالى والمحافظة على توحيده إنما تكون بتعظيم من عظمه الله تعالى وتحقير من حقره الله تعالى، وقد جعلهم الله سبحانه وتعالى وسائط لنا في تبليغ شرائع دينه، فوسطناهم له عز وجل لقضاء حوائجنا تبعًا له في توسيطهم لنا في تبليغ شرائعه، والاحتفاظ لأنفسنا عن أن تكون أهلًا لطلب حوائجنا منه سبحانه وتعالى بلا وساطة لكثرة ذنوبنا ووفرة عيوبنا" [8] .
(1) انظر (( شواهد الحق ) )من (ص: 112 - 126) .
(2) وهذه من أخطاء القوم فإن الصحابة رضوان الله عليهم لم يستغيثوا بالرسول صلى الله عليه وسلم لينزل لهم الغيث وإنما طلبوا منه أن يدعو الله لهم ليغيثهم.
(3) انظر (( شواهد الحق ) )من (ص: 126 إلى 135) .
(4) (( شواهد الحق ) ) (ص: 126) .
(5) انظر (( الدرر السنية ) ) (ص: 14) و (( مفاهيم يجب أن تصحح ) ) (ص: 159 - 176) .
(6) انظر (( صيانة الإنسان ) ) (ص: 26) .
(7) انظر (( قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ) ) (ص: 99، 274) ، و (( القول الفصل النفيس في الرد على المفتري داود بن جرجيس ) )للشيخ عبدالرحمن بن حسن (ص: 66) .
(8) (( شواهد الحق ) ) (ص: 52) ونقله محمد عثمان عبده البرهاني في كتابه: (( انتصار أولياء الرحمن على أولياء الشيطان ) ) (ص: 191) .