رابعا: تكفيرهم لمرتكبي الكبائر: ذهبت جماعة التكفير والهجرة - كما ذهب الخوارج من قبل، إلى أن ارتكاب الكبائر يخرج من الملة ويحكم على فاعله بالكفر، وقالوا أن كلمة كفر في الشريعة استخدمت للدلالة على نقيض الإيمان، وهي تشتمل على كلمات الفسق والظلم والعصيان، وأن هذه الكلمات الثلاث تدل على معنى واحد وهو الكفر الملى، والاختلاف بينها يعود إلى الاختلاف في مداخل الكفر لا في حقيقته، تمامًا كما أن كلمات المؤمنين والمسلمين والقانتين ... في قوله تعالى: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ ... الآية [الأحزاب: 35] ، تدل على معنى واحد وحكم واحد وهو الإيمان عند الجميع والخلاف في الأسماء يعود إلى اختلاف مداخل الإيمان [1] .وساووا كما فعل الخوارج بين الخطأ في الاعتقاد والخطأ في العمل وانكروا التفرقة بينهما وقالوا: لم يحدث أن فرقت الشريعة بين الكفر العملي والكفر القلبي، ولا أن جاء نص واحد يدل أو يشير أدنى إشارة إلى أن الذين كفروا بسلوكهم غير الذين كفروا بقلوبهم واعتقادهم، بل كل النصوص تدل على أن عصيان الله عملًا والكفر به سلوكًا وواقعًا هو بمفرده سبب العذاب في النار والحرمان من الجنة وأنكروا أن يكون الاستحلال أو الجحود شرطًا للحكم على كفر مرتكب الكبيرة وقالوا:"أما شرط الاستحلال أو الجحود القلبي أو اللساني فشرط زائد متكلف ما اشترطه عقل ولا كتاب ولا سنة ولا يجيزه التعامل الواقعي الملموس بين الناس - فإن العقل والواقع والشرع كل هؤلاء لا يفرق من حيث النتيجة الحقيقة بين من جحد حقًا لأحد من الناس بلسانه وبين من أمر به ثم اشتركا جميعًا في منعه وجحده بالسلوك والجارحة، بل لعل المقر بلسانه الجاحد بسلوكه أكبر جرمًا عند الناس وأغيظ لهم من الآخرة [2] ."
المصدر:دراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين - الخوارج والشيعة - أحمد محمد أحمد جلي/ ص 122
(1) انظر (( الحكم بغير ما أنزل الله ) ) (ص: 161) .
(2) (( الحكم بغير ما أنزل الله ) ) (ص: 167) .