في العقود الأخيرة من القرن السادس الهجري وما يليها، كانت الصوفية واسعة الانتشار جدًا، وقد مر معنا في الفصول السابقة أمثلة كثيرة عن الحالة التي وصلت إليها الأمة، والتي ظهرت نبتتها الأولى في أزمنة سابقة، حتى استوت على أيدي دعاة للصوفية (مشايخ) يقدسهم حتى غير الصوفيين، جهلًا بالصوفية، ومن هؤلاء الدعاة: الغزالي (حجة الإسلام) ، والجيلاني، والرفاعي، وعدي بن مسافر، والشاذلي، والدسوقي، والبدوي ... وغيرهم.
بالإضافة إلى ما مر من الأمثلة في الفصول السابقة، نورد مثالًا (على الماشي) فيه كفاية لأخذ فكرة عن الواقع.
يورد ابن العماد الحنبلي في (الشذرات) في حوادث سنة 657 هـ:
وفيها (أي: توفي في هذه السنة) الشيخ يوسف القميني الموله:
قال الذهبي في (العبر) : الذي تعتقده العامة أنه ولي الله، وحجتهم الكشف والكلام على الخواطر، وهذا شيء يقع من الكاهن والراهب والمجنون الذي له قرين من الجن، وقد كثر هذا في عصرنا والله المستعان، وكان يوسف يتنجس ببوله، ويمشي حافيًا، ويأوي أقميم حمام نور الدين، ولا يصلي.
وقال ابن شهبة في (تاريخ الإسلام) : كان يأوي القمامين والمزابل، وغالب إقامته بإقميم حمام نور الدين بسوق القمح، وكان يلبس ثيابًا طوالًا تكنس الأرض ولا يلتفت إلى أحد، والناس يعتقدون فيه الصلاح، ويحكى عنه عجائب وغرائب، ودفن بتربة المولهين بسفح قاسيون، ولم يتخلف عن جنازته إلا القليل. اهـ.
-لا تعليق، لكن ملحوظة أنه لم يتخلف عن جنازته إلا القليل، وأن هذا حدث في دمشق، التي ما خلت منذ أسلمت من دعاة للإسلام الحق، لا يخافون في الله لومة لائم، فكيف تكون الحالة في غيرها.
ثم ننتقل إلى القطاع الذي اجتاحه المغول:
هذا القطاع هو العراق وفارس، وأبرز الطرق التي كانت منتشرة فيه أواخر القرن السادس الهجري هي: الجنبلانية، الملامتية، القشيرية، الصديقية، القادرية، الرفاعية، العدوية، الكبروية، وهناك غيرها طبعًا، مع العلم أن الرفاعية ثم القادرية كانت أبرزها على الإطلاق وأوسعها انتشارًا!
وفي العقود الأولى من القرن السابع ظهرت: الجشتية، السهروردية، البابائية، البكطاشية، وبقيت الرفاعية ثم القادرية هما الأبرز والأوسع انتشارًا، وتليهما السهروردية والملامتية.
من النتائج لهذا الانتشار الصوفي، النتيجة الظاهرة الصارخة، ألا وهي الاستسلام العجيب للغزو التتري الذي كان يبيد المدن والقرى ويقتل الملايين، بينما كان المسلمون يهرعون إلى المشايخ والقبور، ويلجئون إلى الأوراد والطلاسم لاستجلاب النصر، ويستسلمون للذبح استسلام النعاج!!
لأخذ فكرة عن هذا الاستسلام العجيب نورد نبذًا من (الكامل في التاريخ) لابن الأثير، منها:
ذكر خروج التتر إلى بلاد الإسلام: لقد بقيت عدة سنين معرضًا عن ذكر هذه الحادثة استعظامًا لها، كارهًا لذكرها، فأنا أقدم إليه رجلًا وأؤخر أخرى، فمن ذا الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام والمسلمين، ومن الذي يهون عليه ذكر ذلك، فيا ليت أمي لم تلدني، ويا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيًا منسيًا ... هذا الفعل يتضمن ذكر الحادثة العظمى والمصيبة الكبرى التي عقمت الأيام والليالي عن مثلها، عمت الخلائق وخصت المسلمين، فلو قال قائل: إن العالم مذ خلق الله سبحانه وتعالى آدم إلى الآن لم يبتلوا بمثلها لكان صادقًا، فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها ولا ما يدانيها ... ولعل الخلق لا يرون مثل هذه الحادثة إلى أن ينقرض العالم وتفنى الدنيا [1] ...
(1) (( الكامل في التاريخ ) ) (9/ 324) .