عرفنا فيما تقدم عمق هذه الفكرة في أذهان الشيعة وتشبثهم بوجود ابن للحسن العسكري الذي جعلوا منه مهديهم المنتظر، ومكابرتهم وإصرارهم على القول بولادته، فما هو السر في هذا؟ والجواب حاصله: أن الشيعة قد وضعوا شروطًا وقواعد وأوصافًا للإمام, ألزموا أنفسهم بتصديقها وهي من صنع الخيال، وبالتالي فهي صعبة المنال ثم جعلوها جزءًا من العقيدة الشيعية، بحيث لو لم تتحقق لانتقض جزء كبير من تعاليمهم، ولأصبحوا في حرج.
وأكثر تلك الشروط هي تقول على الله ومجازفة وحكم على الغيب، فمنها على سبيل المثال لا الحصر:
أن الإمام لا يموت حتى يكون له خلف من ذريته هو الذي يتولى الإمامة من بعده حتمًا لازمًا وقد روى الطوسي عن عقبة بن جعفر قال: قلت لأبي الحسن: قد بلغت ما بلغت وليس لك ولد؟ فقال: يا عقبة بن جعفر، إن صاحب هذا الأمر لا يموت حتى يرى ولده من بعده [1] , أن الإمامة لا تعود في أخوين بعد الحسن والحسين أبدًا؛ بل في الأعقاب وأعقاب الأعقاب. ومعنى هذا أن الحسن العسكري - وهو الإمام الحادي عشر- لو مات دون عقب لانتقضت هذه القاعدة، وقد روى الطوسي عن أبي عيسى الجهني قال أبو عبد الله عليه السلام: لا تجتمع الإمامة في أخوين بعد الحسن والحسين رضي الله عنهما، إنما هي في الأعقاب وأعقاب الأعقاب [2] ,
الإمام لا يغسله إلا إمام هو أكبر أولاده.
ولقد ذكر ابن بابويه القمي عن علي بن موسى بن جعفر كثيرًا من الشروط التي اشتملت على خرافات وآراء ضالة ليست من الإسلام في شيء، كقولهم:"للإمام علامات: يكون أعلم الناس، وأحكم الناس، وأتقى الناس، وأحلم الناس، وأشجع الناس، وأسخى الناس، وأعبد الناس، ويولد مختونًا، ويكون مطهرًا، ويرى من خلفه كما يرى من بين يديه، ولا يكون له ظل."
وإذا وقع على الأرض من بطن أمه وقع على راحته رافعًا صوته بالشهادة ولا يحتلم، وتنام عينيه ولا ينام قلبه، ويكون محدثًا، ويستوي عليه درع رسول الله صلى الله عليه وسلم -لأنها محفوظة بزعمهم عند الأئمة يتوارثونها- ولا يرى له بول ولا غائط، لأن الله عز وجل قد وكل الأرض بابتلاع ما يخرج منه، ويكون له رائحة أطيب من رائحة المسك.
(1) (( كتاب الغيبة ) ) (ص133) , وذكر الكليني على هذا الزعم أحاديث كثيرة في كتاب الحجة في الجزء الأول الذي يبدأ هذا الكتاب من (ص128 إلى ص 459) .
(2) (( كتاب الغيبة ) ) (ص136) .