إن الاهتمام الكبير الذي أولاه الأشاعرة لمسألة إثبات وجود الله تعالى وزعمهم أنه هو الغاية خطأ كبير وترتب عليه خلل ويظهر في الأمور الآتية:
1 -عدم التحقيق الدقيق لمسائل توحيد الألوهية، وحمل الآيات الواردة لتقريره على أنها لتقرير الربوبية تقصيرًا وقلبًا للحقائق الشرعية.
2 -ظن كثير من المتأخرين من الأشعرية أن الشرك لا يتحقق وقوعه إلا إذا ظهر اعتقاد الإنسان تأثيرًا لغير الله تعالى. وهذا تقصير في معرفة كل أنواع الشرك وقد وقع كثير من الناس في هذه الأزمة المتأخرة في بعض مظاهر الشرك كالنذر لغير الله والطلب من الأموات والأحياء ما لا يقدرون عليه - بل وصل الأمر ببعضهم إلى الاعتقاد بأن بعض الناس له تأثير في كثير من الأمور، فأطلقوا عليهم أوصافًا فيها بعض خصائص الربوبية كالغوث والقطب، ووصفوا بعضهم بأنهم يعلمون الغيب.
3 -التقصير في معرفة بعض أنواع العبادة لدى كثير من المتأخرين - كالدعاء، ويطلقون عليه أنه عادة وليس بعبادة، مما دفعهم لأن يصرفوه لغير الله تعالى.
4 -وظهر لهؤلاء المتأخرين تناقض غريب في مسألة الاستغاثة بغير الله وطلب قضاء الحوائج من غيره، مع وصفهم لمن يدعونه بالغوث الأعظم!، والقول بأن الله قد أعطاه حق التصرف!، وقد مضى أن هذا الاعتقاد ظهر في كثير من المتأخرين ولم يكن عند متقدميهم، وهذا كله مع تنصيصهم بأن المؤثر هو الله!!، ولما ألزموا قالوا: إن تأثير غيره مجازي فرارًا من التناقض، ولكن مثل هذا الهروب لا يخفى على أحد، فأين الدليل على وجود مثل هذه الأوصاف - التي هي من خصائص الربوبية - في الخلق.
اضطرابه وتناقضه في بعض مسائل توحيد الربوبية
إن الأشعرية يقرون بأنه لا خالق إلا الله، ولكنهم غلوا غلوًا شديدًا فقالوا: إنه لا فاعل على الحقيقة إلا الله، وأما أعمال غيره فمجازية!! ثم نفوا الحكمة التي تعود إلى الله تعالى، ونفوا التحسين والتقبيح العقلييين مطلقًا زعمًا منهم أن إثبات ذلك ينافي المشيئة والاختيار، فالكلام إذًا في ثلاث مسائل لبيان اضطرابهم هنا.
المسألة الأولى: تتعلق بأفعال العباد.
وتناقضهم فيها يظهر في أمرين: الأمر الأول: هو أنهم أثبتوا كسبًا للعباد غير معقول، حيث أثبتوا للعبد قدرة تقارن الفعل ولا تؤثر فيه، فألزمهم الناس القول بالجبر، وأن المسألة إذا كانت مجرد مقارنة فلم لا يقال إن المقارن للعمل: الرؤية أوالسماع أو نحو ذلك [1] .
الأمر الثاني: وهذا قد ظهر في كثير من المتأخرين، وهو إثبات تأثير للعباد في أمور لا قدرة لهم عليها، وهذا الإثبات إما أن يكون صريحًا كإثبات الغوث الأعظم وصفًا لبعض البشر، وإما أن يكون لازمًا كما في الاستغاثة بالميت أو بالحي فيما لا يمكنه الغوث منه، وهذا مع قولهم إنه لا مؤثر إلا الله!!.
المسألة الثانية: تتعلق بالحكمة. فإنهم ذكروا بأن أفعال الله لا تخلوا عن الحكم ولكنها حكم، غير مقصودة فنفوا القصد، مع أنهم أثبتوا هذا القصد شرطًا لإثبات صفة العلم لله، لأن الفعل المتقن إن لم يكن بالقصد والاختيار فإنه لا يدل على علم فاعله، بخلاف الفعل المتقن المقصود، فنفيهم للقصد في الحكمة، وإثباتهم له في العلم تناقض واضح [2] . وكذلك: من نفى الحكمة واثبت التعليل والقياس فقد تناقض! وسيأتي إن شاء الله كذلك أن من نفاها يلزمه أن يقول بتجويز تصديق الله تعالى لمدعي النبوة الكاذب.
المسألة الثالثة: وهي تتعلق بالتحسين والتقبيح.
(1) وقد نص الرازي على الجبر في عدة مواضع من (( المطالب العالية ) ) (8/ 16 - 21 - 43- 66) .
(2) انظر (( المطالب العالية ) )للرازي (3/ 117 - 118) .