أولا: القدرة والاستطاعة الاستطاعة والطاقة والقدرة والوسع ألفاظ متقاربة المعنى وضدها العجز عرفها المتكلمون بأنها:"صفة وجودية يتأتى معها الفعل بدلا عن الترك والترك بدلا عن الفعل" [1] .ومسألة الاستطاعة أو القدرة من المسائل التي وقع فيها الخلاف بين الفرق الإسلامية تبعا للخلاف الواقع في القدر فالذين قالوا بالجبر - وهم الجهمية ومن وافقهم - قالوا بنفي الاستطاعة لا مع الفعل ولا قبله وذلك لأن العبد عندهم لا اختيار له [2] . والذين قالوا بنفي القدرة وأن العبد خالق لفعله - وهم المعتزلة ومن وافقهم - أثبتوا الاستطاعة قبل الفعل ونفوا أن تكون معه [3] والذين قالوا بالكسب - وهم الأشاعرة ومن وافقهم - قالوا بأن الاستطاعة تكون مع الفعل لا قبله [4] .
وأما جمهور الماتريدية فقد توسطوا في المسألة فقالوا بإثبات الاستطاعة قبل الفعل ومعه فقالوا بأن الاستطاعة تقع على نوعين:
الأولى: سلامة الأسباب والآلات وهي تتقدم الفعل.
الثانية: الاستطاعة التي يتهيأ بها الفعل وهي تتقدم الفعل.
قال الماتريدي:"الأصل عندنا في المسمى باسم القدرة أنها على قسمين: أحدهما: سلامة الأسباب وصحة الآلات وهي تتقدم الأفعال. والثاني: معنى لا يقدر على تبين حده بشيء يصار إليه سوى أنه ليس إلا للفعل لا يجوز وجوده بحال إلا ويقع به الفعل عندما يقع معه" [5] . قال أبو المعين النسفي:"ثم الاستطاعة والطاقة والقدرة والقوة إذا أضيفت إلى العبد يراد بها كلها معنى واحد في مصطلح أهل الأصول."
ثم الاستطاعة عندنا قسمان:
أحدهما: سلامة الأسباب والآلات وصحة الجوارح والأعضاء وهي المعنية بقوله تعالى وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران:97] وبقوله تعالى فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا [المجادلة:4] وبقوله تعالى خبرا عن أهل النفاق لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [التوبة:42] أي لو كانت لنا الآلات والأسباب. وصحة التكليف تعتمد هذه الاستطاعة ...
(1) (( المواقف ) ) (2/ 229) ، ط الآستانة 1311 هـ. وانظر (( المبين في شرح ألفاظ الحكماء والمتكلمين ) )للآمدي ت عبد الأمير الأعسم (ص 127) ، (( التعريفات ) )للجرجاني ت الأبياري (ص 35) .
(2) (( الملل والنحل ) )للشهرستاني (ص 36) ، (( مقالات الإسلاميين ) ) (1/ 312) ، (( الفرق بين الفرق ) ) (ص 128) ، ط الكوثري، (( التبصير في الدين ) ) (ص 96) ، (( أصول الدين ) )للبغدادي (ص 333) ، (( البدء والتاريخ ) ) (5/ 146) ، (( الغنية ) ) (1/ 94) .
(3) (( مقالات الإسلاميين ) ) (1/ 300) ، (( في التوحيد ) )للنيسابوري (ص 366 - 370) ، (( شرح الأصول الخمسة ) ) (390) ، (( المحيط بالتكليف ) ) (1/ 351، 352) ، كتاب (( الشافي ) )لابن حمزة (2/ 219، 3/ 5 - 8) .
(4) (( الإنصاف ) ) (ص 46) ، (( التمهيد ) )ط حيدر: (ص 323 - 325) ، (( محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين ) ) (ص 152) ، ط دار الكتاب العربي، (( شرح السنوسية الكبرى ) ) (ص 278) ، دار القلم، (( موقف ابن تيمية من الأشاعرة ) ) (ص 1406) .
(5) (( التوحيد ) ) (ص 256،257) .