فهرس الكتاب

الصفحة 1899 من 4723

وهناك فرقة من الخوارج وهي"الأطرافية"تزعم أن العقل يعرف الواجبات العقلية وأنه يعرف به أيضًا الواجبات الدينية، ولهذا فقد رأوا أن أهل الأطراف النائية من البلدان معذورون فيما لم يعرفوا عن الشرع نصًا في أمر من الأمور إذا عملوا ما يقره العقل. يقول الشهرستاني عن هذه الفرقة: إنهم"عذروا أصحاب الأطراف في ترك ما لم يعرفوه من الشريعة إذا أتوا بما يعرف لزومه من طريق العقل وأثبتوا واجبات عقلية" [1] ، وقد وصف الشهرستاني كذلك المحكمة الأولى بأنهم من"أشد الناس قولًا بالقياس" [2] ، والقياس استعمال للعقل في تعديه الحكم وإن كان قائمًا على أساس من النص الشرعي. بل لقد رأينا يسند إلى ذي الخويصرة الذي يعتبره زعيم الخوارج الأول القول بالتحسين والتقبيح العقليين حيث يقول:"وذلك (يعني به قول ذي الخويصرة للنبي صلى الله عليه وسلم:"هذه قسمة ما أريد بها وجه الله") خروج صريح على النبي صلى الله عليه وسلم، ولو صار من اعترض على الإمام الحق خارجيًا فمن اعترض على الرسول أحق بأن يكون خارجيًا، أو ليس قولًا بتحسين العقل وتقبيحه وحكمًا بالهوى في مقابلة النص واستكبارًا على الأمر بقياس العقل" [3] .

الاتجاه الثاني: وفي مقابل القول السابق أن الخوارج يقولون بقدرة العقل على الحكم على الأشياء والأفعال؛ نجد من يعكس الأمر ويذهب إلى أن الخوارج لا ترى للعقل أي ميزة في الحكم على الأفعال من حسن وقبيح، وهذا الرأي قد قال به أحمد الصابوني الماتريدي فيما يرويه عنه الطالبي بقوله: إنه - أي الصابوني-"يزعم أن الخوارج المحكمة يرون مع الملاحدة والروافض والمشبهة أن العقل لا يعرف به شيء ولا يوجب شيئًا من الأحكام العقلية أو الشرعية لا على الأفعال ولا على الأشياء". وقد اعتبر الطالبي رأي أحمد الصابوني كأنه خبر آحاد خاصة أنه لم يبين لنا سنده ولا مصدره، بخلاف من تقدم النقل عنهم وهم القائلون بعقلانية الخوارج، فإنهم أولى - على حد تعبيره - بقبول قولهم منه لكثرة إطلاعهم على آراء الخوارج [4] .وما قاله الصابوني هنا عن الخوارج يتفق مع ما ذكره الأشعري عن حاكٍ لم يعين اسمه حكى عن الخوارج أنهم"لا يرون على الناس فرضًا ما لم تأتهم الرسل، وأن الفرائض تلزم بالرسل واعتلوا بقول الله عز وجل: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: 15] [5] ."

ولعلنا بعد أن عرضنا هذين الاتجاهين في تحديد موقف الخوارج بين العقل والنقل فيما يتعلق بالمعرفة وإدراك حسن الأفعال وقبحها - لعلنا بعد عرضنا لهذين الاتجاهين نجد أن الاتجاه الأول وهو القول بأن الخوارج عقليون؛ قد تضافرت على توثيقه وشرحه أقوال كثرة من العلماء لم تتوافر للاتجاه الثاني وهو القول بأن الخوارج يرجعون بالمعرفة وبالتحسين والتقبيح إلى الشرع.

فالأشعري يحكي ذلك عن حاك مجهول لم يذكر اسمه كما قلنا، وقد قلنا من قبل كذلك أن الطالبي قد جعل قبول أقوال العلماء الكثيرين في الاتجاه الأول أولى من قبول كلام الصابوني الذي لم يبين مصدره ولا سنده فيه، ولا يفوتنا أن ننوه بالأسماء التي حكمت على الخوارج بأنهم عقليون كالبغدادي والشهرستاني وابن الجوزي والشيخ المفيد وعثمان الحنبلي.

(1) (( الملل والنحل ) ) (1/ 130) .

(2) (( الملل والنحل ) ) (1/ 116) .

(3) [8334] )) (( الملل والنحل ) ) (1/ 21) .

(4) نقلًا عن (( آراء الخوارج ) )ص 168، (( البداية ) )للصابوني (ص168)

(5) (( المقالات ) ) (1/ 206) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت