وعلو الشأن، وفوقية العز، والقهر والتنزيه [1] ، وغيرها من التأويلات الباطلة، ويعدّون شبهاتهم في نفي العلو براهين قاطعة مع أنها جهالات وحماقات بحتة.
أما البراهين القاطعة العقلية الصريحة والحجج الفطرية التي احتج بها أبو حنيفة وغيره من السلف - فهي عندهم أوهام.
ثانيًا: صفة الاستواء: فهؤلاء كلما سمعوا باستوائه تعالى على عرشه تشبثوا بشبهات الجهمية الأولى [2] .وقالوا: هذا يستلزم المكان، والتغير لله تعالى، وهذا ما أمارات الحدوث وفيه تمكين الحاجة، وذلك أثر النقصان [3] ، بل يكون الله محدودًا محاطًا، وكل ذلك وصف الخلائق [4] .وقالوا: لو قلنا: إنه على العرش لحصل في ذاته التغير والانتقال، والقديم لا يتصور عليه ذلك فهو لا على العرش ولا على غيره، ولأن ذلك من صفات الأجسام [5] ، وأن الاستواء يشعر بالتحيز [6] وغيرها من اللوازم [7] .ولذلك حرفوا نصوص الاستواء إلى الاستيلاء [8] ، أو إلى التمام [9] .وقال الجرجاني: إن فسر الاستواء بالاستيلاء فمرجعه إلى صفة القدرة، وإن فسر بالقصد فمرجعه إلى صفة الإرادة، ولا يجوز التعويل على ظاهر النصوص [10] .
ثالثًا: صفتي الوجه واليدين ونحوهما: كلما مرت عليهم آيات من كتاب الله أو أحاديث من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم تنص على صفات الله تعالى من الوجه، واليدين، والعين، والأصابع، واليمين، والساق، والقدم ونحوها يتبادر إلى أذهانهم أنها جوارح [11] ، وأنه لو قلنا بإثبات ذلك له تعالى يلزم كونه متبعضًا، ومنجزيًا، ومركبًا [12] ، ولذلك يركزون بقولهم:"ليس متبعضًا، ولا منجزيًا، ولا متركبًا" [13] .
رابعًا: صفة النزول ونحوها: إذا تليت عليهم آيات بينات، وأحاديث واضحات تنص على نزول الله تعالى إلى السماء الدنيا، ومجيئه تعالى يوم القيامة فهموا من ذلك انتقالًا انتقال الأعراض، والأجسام [14] .ويرى الماتريدي إن إثبات هذه الصفات لله تعالى يستلزم التغير والزوال لله تعالى فيكون الله تعالى من الآفلين، وقد قال إبراهيم عليه السلام: لا أُحِبُّ الآفِلِينَ [الأنعام:76] . فيجب صرف ذلك إلى الوجه الذي يحق بالربوبية [15] .
(1) (( تبدين الظلام ) )للكوثري (ص 88) .
(2) قارن بين شبهات الماتريدية في صفة الاستواء بشبهات المعتزلة: انظر (( متشابه القرآن ) ) (ص 72 - 73) ، و (( شرح أصول الخمسة ) )لعبد الجبار المعتزلي الحنفي (ص 226) .
(3) (( كتاب التوحيد للماتريدي ) ) (ص28 - 29) .
(4) (( كتاب التوحيد للماتريدي ) ) (ص28 - 29) .
(5) (( أصول الدين البزدوي ) ) (ص 28 - 29) .
(6) (( حاشية حسن الجلبي على شرح المواقف ) ) (8/ 24) .
(7) (( شرح المواقف ) ) (8/ 20 - 22)
(8) انظر كتاب (( التوحيد ) )للماتريدي (ص 72) ، و (( تأويلات أهل السنة له ) ) (1/ 85) .
(9) (( كتاب التوحيد ) )للماتريدي (ص 37) ، و (( ضوء المعالي ) )للقاري (ص 32) .
(10) (( شرح المواقف ) ) (8/ 110 - 111) .
(11) انظر (( أصول الدين ) )لأبي اليسر البزدوي (ص 28) ، و (( إشارات المرام ) ) (ص 189) .
(12) انظر (( حاشية العصام على شرح العقائد النسفية ) ) (ص 158) .
(13) (( العقائد النسفية مع شرحها للتفتازاني ) ) (ص 39) ، و (( النبراس ) ) (ص 175) .
(14) انظر (( التوحيد ) )للماتريدي (ص 77) ، (( أصول الدين ) )لأبي اليسر (البزدوي) (ص 27) ، (( حاشية الحسن الشلبي على شرح المواقف ) ) (8/ 24) .
(15) انظر (( كتاب التوحيد ) )للماتريدي (ص 53) ، و (( بحر الكلام ) )لأبي المعين النسفي (ص 22) .