فقد أوصى جون كيري (11/ 2/2009) في مقالته، كما سبق وأشرنا، إلى جانب زيادة القوات، بـ: «الشروع بإستراتيجية جديدة كليا تقرّ بتاريخ أفغانستان من الحكم اللامركزي» . فالاستراتيجية الأمريكية القديمة ذات المواصفات الفردية، استندت على ما يسميه، هنري كيسنجر، (27/ 2/2009) بـ: «التكتيك التقليدي» الذي يقوم على تنصيب حكومة مركزية ثم دعمها وتمكينها تدريجيا من بسط سيطرتها على كامل أنحاء البلاد عبر إشاعة «البيروقراطية» أو العمل الإداري كأسلوب لتدجين الناس من شأنه أن يساعد في التنافس على المكاسب والغنائم. لكن هذا النظام لم يعد مجديا في مواجهة «التمرد» ، والأولى، والكلام لكيسنجر، إقامة: «نظام لامركزي يحول دون عودة طالبان نهائيا» . أي نظام خاص بكل ولاية وكأنها دولة مستقلة.
هذه الأطروحات الجديدة فعلا؛ وجدت لها صدى أوسع، حتى لدى خصوم الديمقراطيين كالسناتورة الجمهورية وعضو في لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب دانا روراباتشر في مقالة لها صدرت في صحيفة الواشنطن تايمز في 4/ 3/2009 بعنوان: «خطة بديلة في أفغانستان» . ففي مقالتها قدمت الكاتبة تفصيلا أكثر وضوحا لما تأمله الولايات المتحدة من مصطلح «اللامركزية» .
تقول الكاتبة: «إن أميركا نقضت وعودها بعد أن دحر الشعب الأفغاني الشجاع الجيش السوفياتي وساعد في إنهاء الحرب الباردة. كما أخلفت وعدها مرة ثانية بعد هزيمة طالبان» . لذا فإن: «التوصل إلى التزام حقيقي بقوة وسلطة لامركزية في أفغانستان هو جزء من الحل. وهذا ما لا يدركه القادة العسكريون» . وعليه فإن: «أفغانستان بحاجة إلى انتخابات على مستوى الولايات. أما التعليم والشرطة والخدمات المحلية فسيديرها حينذاك الفائزون في الانتخابات» .
وكي تتضح المسألة أكثر؛ تعرض السناتورة الجمهورية جوهر اللامركزية بالمنظور الأمريكي الصرف. فبالنسبة (1) للدولة فهي: «بحاجة إلى جيش محلي قوي. ويجب أن تكون المليشيات، والقوات القبلية، وأمراء الحرب، جزء من الخطة» . وبالنسبة (2) للقوات الجديدة تقترح: «أن تدمج في النسخة الأفغانية لحرسنا الوطني» ، أما عن (3) حاكم الولاية فيكون بمثابة: «رئيس الأركان» ، بحيث يكون (4) حرس الولايات: «جزء من الجيش الأفغاني الكلي» . وهكذا فمن شأن هذا النظام إذا ما طُبق: «أن يُقوِّض انبعاث طالبان من جديد مثلما أضعفت \"الصحوة العشائرية\"التمرد السني في العراق» .
لكن مكافأة «المتعاونين» وضرب «المتمردين» ستعيد الأمريكيين إلى نقطة الصفر. وحينها لن ينفع كثيرا: «تجنيد 300 حمار للمساعدة في الانتخابات الأفغانية» . والحقيقة أنه ما من جهة إقليمية أو دولية أو عربية إلا ودعت إلى وجوب التفاوض مع طالبان لحل المشكلة. وبالنسبة للرئيس الأفغاني حامد كرزاي، المنبوذ أمريكيا، والذي تبادل التهم مع نائبه أحمد ضياء مسعود، لمدة عشر دقائق، على خلفية كونهما «ألعوبة بيد الأمريكيين» كما نقلت صحيفة الديلي تليغراف البريطانية (22/ 2/2009) فما من جدوى للمصالحة والإعمار إلا بالتفاهم مع طالبان، وهو ما أشارت إليه الحكومة أكثر من مرة لعل آخرها كان في 21/ 4/2009. لكن الناطق باسم طالبان ذبيح الله مجاهد نفاه في بيان للحركة في 22/ 2/2009 قائلا: «لم تكن هناك محادثات مع طالبان، هذه مجرد دعاية للتأثير على الرأي العام ليظهروا أنهم راغبون في السلام وأننا لا نرغب فيه» .
الطريف في قصة التفاوض مع طالبان هو ذلك التذبذب في ماهية القوى المعنية به من طالبان. فتارة لا تكون ثمة شروط، وتارة يجري الحديث عن «المعتدلين» ممن يقبلون بالدستور ويلقون السلاح ويعترفون بالحكومة القائمة ويقرون بالوضع السائد في البلاد. ورغم رفض الحركة لمبدأ التفاوض إلا أنها تتساءل عن المعنى والمغزى لمثل هذا التمييز بين «المعتدلين» و «غير المعتدلين» . ففي 11/ 3/2009 رفضت طالبان الأفغانية اقتراح الرئيس الأمريكي بالتحاور مع من يسمون بالإسلاميين المعتدلين, معتبرة أن خروج القوات الأجنبية هو الحل الوحيد. وتعليقا على الاقتراح الرئاسي قال المتحدث باسم طالبان قاري محمد يوسف إن: «هذا لا يستوجب أي رد أو رد فعل لأنه غير منطقي» . وأكد أن: «طالبان متحدة، ولها زعيم واحد، وهدف واحد، وسياسة واحدة .. لا أعرف لماذا يتحدثون عن طالبان المعتدلة؟ وماذا يعني ذلك؟» .
أما الأطرف في المسألة فهي شهادة مرويس ياسيني نائب رئيس البرلمان الأفغاني لما سئل عن «المعتدلين» في طالبان في برنامج «من واشنطن» على قناة الجزيرة في 1/ 4/2009 فقال (مع بعض التصرف في ضبط اللغة) : «والله عندما نتحدث عن طالبان فهذا الاصطلاح، المعتدلين أو غير المعتدلين، ليس موجود هنا في داخل أفغانستان. لكن يوجد في طالبان، المسلحين وغير المسلحين. ومن الطبيعي أن يكون غير المسلحين منهم أكثر استعدادا للحوار مقارنة بمن يحملون السلاح. إذن ليس هناك معتدلين وغير معتدلين، وإنْ كانْ؛ فلا بد أن نعرفهم ونعرف عنوانهم» .
أخيرا
هذه أهم مضامين الاستراتيجية الأمريكية الجديدة، والتي ركزنا فيها على الوضع في أفغانستان بعيدا قليلا عن الغوص في الشأن الباكستاني. والذي يرقب ردود فعل طالبان الأفغانية سيلاحظ أن الحركة كانت تراقب بدقة التصريحات الأمريكية والغربية وحتى السياسات ذات الطابع المدني على الأرض. فقد أعلنت الحركة عن زيادة في عدد قواتها ردا على زيادة عدد القوات الأمريكية والأطلسية، وأعلنت عن «شبكة الحديد» ردا على «طعنة الخنجر» الأمريكية و «مخالب النمر» البريطانية، وقتلت عشرات الجنود، وضابط كبير في الجيش البريطاني، وأسرت أحدهم، وأسقطت عديد الطائرات المروحية.
وفي ذروة الهجوم الغربي على جنوب أفغانستان وجهت طالبان ضربة مزدوجة شديدة الأثر (21/ 7/2009) ضد أجهزة الأمن والاستخبارات في ولاية ننجرهار ومدينة جرديز مركز ولاية بكتيا، حيث تجري التحضيرات للانتخابات الأفغانية القادمة، وحاولت اغتيال قسيم فهيم مساعد الرئيس كرزاي في الانتخابات القادمة (26/ 7/2009) في هجوم على قافلة سيارات تواكبه في ولاية قندوز.
وردا على محاولات اختراق الجانب الاجتماعي عبر تقديم المساعدات والحماية للسكان سارعت الحركة لتحصين المجتمع الأفغاني وأصدرت في 27/ 7/2009 ما عرف بـ «لائحة طالبان» . وهي دستور طالبان الإمارة الذي كان الملا محمد عمر قد أمر بإعادة النظر به وإعداده ليتلائم مع النصوص الشرعية بحيث يحذف منه كل ما يخالف الشريعة. وقد كشفت الديلي تلغراف البريطانية هذا الأمر في 29/ 9/2007 مشيرة إلى أنه يأتي في إطار: «الصعود السياسي الواضح للحركة» . ونقلت الصحيفة آنذاك عن فتح الكبير أحد قادة طالبان في ولاية غزني قوله: «إن هدف نشر الدستور الآن هو محاولة ضمان أن تصل نسخه إلى كل مواطن أفغاني» . ولا شك أن هذا التصريح أولى أن يجري الحديث عنه الآن في سياق ما يجري التحضير له من انتخابات قادمة.
قريبا في الحلقة القادمة «مأزق بريطانيا وفضائح الناتو»
نشرت بتاريخ 31 - 07 - 2009