تفكيك الاستراتيجية
د. أكرم حجازي
رغم كل ما تمتلكه الولايات المتحدة من علوم وتكنولوجيا وتسلح واقتصاد وتفوق استراتيجي سياسي ودبلوماسي واقتصادي وأمني؛ ورغم أنها وريثة شرعية لأعتى القوى الاستعمارية في التاريخ، إلا أن التمعن في العقلية الأمريكية يحيلنا إلى نمط تفكير وحياة لعقلية إمبيريقية رأسمالية متماثلة متغطرسة وشريرة لا تفكر إلا في الربح دون الخسارة وبأقل التكاليف، ولأنها عقلية لا تاريخية فلا تعتبر بما يوفره لها التاريخ من رصيد معرفي ضخم يمكن أن يساعدها في قراءة الواقع والتنبؤ في المستقبل.
ببساطة! إذا كانت الاستراتيجية القديمة قد فشلت فليس هناك ما يدعو للقلق. فقط؛ «إقلب الصفحة» ! وابحث عن أخرى جديدة حتى وإنْ كانت مخالفة لها في المقدار ومعاكسة لها في الاتجاه. هذا هو ملخص الاستراتيجية الأمريكية الجديدة بزعامة الرئيس أوباما. لذا ليس غريبا أن يكون الذين أجمعوا على فشل الاستراتيجية القديمة هم أنفسهم الذين دعموا الجديدة. هذه الوضعية، بالذات، هي التي أثارت حفيظة أحد كتاب صحيفة كريستيان ساينس مونيتور الأميركية الذي كتب في 23/ 5/2009 مقالا بعنوان: «ماذا كسبنا في أفغانستان؟» ، والذي تساءل فيه عن المعايير التي تحدد «النجاح من عدمه» في الحرب الأفغانية. أما الآن فلنبدأ بتفكيك ما يمكن تفكيكه من الاستراتيجية القديمة والجديدة.
منطق الاستراتيجية الجديدة
في بحر الأسبوع الثاني من شهر شباط 2009 نقلت رويترز للأنباء عن الرئيس الأمريكي قوله: «لا شك في أن الإرهابيين يعملون في أماكن آمنة في مناطق القبائل في باكستان» ، الأمر الذي عنى للرئيس الأمريكي حين الإعلان عن الاستراتيجية، أن الهدف الرئيس منها هو: «القضاء على تنظيم القاعدة في أفغانستان وباكستان وتفكيكه ومنعه من العودة إلى أي من البلدين في المستقبل» . لكن إلى أي مدى يمكن لهدف بهذا الوزن الثقيل جدا أن يتحقق؟ فلو قيل أن: «الهدف هو إضعاف القاعدة واختراق طالبان سياسيا لإجبارها على التفاوض» لقلنا ثمة وجهة النظر تستحق النقاش. أما حين يستعمل الرئيس بشحمه ولحمه مفردات من قبيل: «القضاء ... التفكيك ... المنع» فليس لنا من القول إلا ما قاله القائد الميداني السابق لقوات التحالف في أفغانستان الجنرال إيريك أولسون: «استراتيجية واشنطن تبدو أنها مبنية على الأمل أكثر منه على الواقع الملموس» . فالرئيس السابق ارتكب مذبحة بحق القاعدة وطالبان حتى شارفت الجماعتان على الانقراض ولم ينجح حتى في القبض على أحد رموزهما، بل عادت الجماعتان إلى العمل، مما يشبه العدم، أقوى وأشد شراسة وصلابة وخبرة من أي وقت مضى.
وعليه فإن هدفا من هذا النوع؛ لو كان ممكنا تحقيقه لكان من الأولى أن ينطبق على الساحة العراقية الأسهل في الاحتواء من جبال الهندوكوش لأكثر من سبب. كما أن تنظيم القاعدة ليس تنظيما وطنيا أو حزبا سياسيا تحكمه جغرافيا معينة. وإذا افترضنا جدلا وعبثا القدرة على «تفكيكه» في أفغانستان وباكستان فهل يمكن فعل ذلك في مناطق أخرى؟!! بعض الكتاب المطالبين بالانسحاب من أفغانستان لم يعد يصدق فكرة أن القاعدة تشكل خطرا استراتيجيا يهدد الولايات المتحدة وأوروبا انطلاقا من باكستان وأفغانستان. فالقاعدة موجودة في بلاد العالم أجمع وإذا ما كانت تشكل تهديدا فعليا فستكون كذلك سواء كانت في باكستان أو أفغانستان أو أي مكان آخر في العالم.
من الطريف حقا أن يتصرف الأمريكيون والغرب مع التيار الجهادي العالمي وكأنهم في حلبة مصارعة. والواقع يقول بأن الصراع بين الجانبين بات صراعا مصيريا حتى بالنسبة للجمهور. وبحسب أطروحات التيار الجهادي العالمي فقد انتهى عصر الصراعات الوطنية والقومية واليسارية وحتى الإسلامية ذات الطابع الوطني إلى غير رجعة. إذ ما من قضايا وطنية يجري الحديث عنها، ولا مفاوضات أو مساومات، ولا مصالح مشتركة، ولا قانون دولي أو وضعي، ولا استقلال وطني، ولا مقاومة للاستعمار، ولا مكاسب وامتيازات شخصية مغرية أكثر من «الله أكبر» . إنها باختصار أطروحة عقدية أُفلتت من عقالها. هذه هي الحقيقة التي يتوجب على العالم أن يعيها جيدا. ولعل أسوأ ما فيها أن القوى العظمى لن يعود بمقدورها مجرد التفكير بأية مغامرات عسكرية أو احتلال مباشر لأراض أغلب سكانها مسلمون. لكن إذا ما فعلت؛ فعليها أن تتوقع عواقب وخيمة كون الذين سيواجهونها هذه المرة لن يكونوا على شاكلة الجيوش العربية المدجنة ولا من ذوي «الإسلام هو الحل» أو «الوحدة العربية» أو «القرار الوطني المستقل» أو «الأممية العالمية» .
هكذا يبدو هدف الرئيس الأمريكي دعائيا أكثر منه حقيقة ولو بحدودها الدنيا. مشكلة الأمريكيين أنهم يظلون صامتين قابلين بما يفعله الرئيس حتى إذا ما جاء آخر أقاموا الدنيا على القديم وأقعدوها على الجديد. فماذا لو فشل الرئيس الجديد بتحقيق ما وعد به؟ كيف سيتصرف الأمريكيون حينذاك؟ وماذا سيكون عليه موقفهم؟
لكن فيما خلا تصريحات الرئيس الأمريكي فثمة من يتحدث من السياسيين والعسكريين والخبراء عن إحداث «تغيير» في غضون سنة كما يأمل وزير الدفاع روبرت غيتس. ولعلها مفردة مقبولة استراتيجيا بما أن مسألة تفكيك القاعدة أو القضاء عليها مستحيلة في الأمد القريب والمتوسط إنْ لم تكن عبثية من أصلها. لكن في أي المستويات يقع «التغيير» ؟ لعله جهد يقع في ثلاثة مستويات كبرى هي:
• المستوى العسكري
• المستوى المدني
• المستوى السياسي
قبل أن نعرض بالتفصيل لمضامين المستويات المذكورة لا بد من التوقف قليلا عند ما يسمى بـ «الاستراتيجية الأمريكية» القديمة أو الجديدة. فواقع الأمر لا وجود لأخلاق عسكرية أمريكية أو غربية كي نتحدث عن فوارق. حتى صحيفة الأوبزرفر البريطانية (5/ 7/2009) في افتتاحيتها عن «حرب أفغانستان العبثية» لا ترى غضاضة من الإقرار بأن الغرب: «يفكر بطريقة تتناسب مع الحقب الماضية وتقوم على قاعدة الغزو والتدمير لتحقيق السيطرة» . وبلغة الجنرال ستانلي مكريستال (25/ 6/2009) القائد الجديد للقوات الدولية في أفغانستان أن معظم القوات مدربة على خوض قتال: «باستخدام كافة الإمكانيات المتاحة» . فما فعله حلف الناتو في أفغانستان وغيرها هو التفكير والعمل بموجب ما تتيحه الآلة العسكرية من تدمير كي يمكن السيطرة على البلاد المستهدفة. فإنْ كان ثمة منطق استراتيجي فهو القتل والتدمير ليس إلا، وهذه همجية وليست استراتيجية.
هذا المنطق الهمجي هو ما طبقته الولايات المتحدة وحلفائها في محاولات محمومة لانتزاع القاعدة وطالبان من الحاضنة الشعبية عبر استهداف المدنيين جوا حيثما كانوا، سواء في الأعراس أو المنازل أو القرى أو المزارع أو المساجد أو المناسبات ... أو عبر الاقتحامات الليلية لمنازل المواطنين وما تخلفه من قتل مروع في جنح الظلام لحملهم على الانقلاب على المجاهدين وتحميلهم مسؤولية القتل الواقع عليهم. لكن بعد سبع سنوات من الفشل وما خلفته الحملات الدموية من نتائج عكسية تماما كما يقول الباكستانيون وحكومة كرازاي حان وقت التغيير. لكن بـ «شرط» أن يكون على النقيض تماما! فما تراه الاستراتيجية الجديدة هدفا جديرا بالدفاع عنه هو: «تأمين الحماية للمدنيين» بدلا من قتلهم! أو كما تقول صحيفة التايمز البريطانية في تساؤلاتها عن أهداف الحملة البريطانية: «مساعدة الحكومة الأفغانية في فرض سيطرتها على هلمند، وعدم تمكين طالبان من التشويش أو تخويف سكان المنطقة خلال الانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها في البلاد يوم 20 أغسطس/آب القادم» .
أكثر ما يميز الاستراتيجية القديمة أنها قليلة العدد والعدة، ولم تهتم بشيء يذكر في أفغانستان. كل ما هنالك مسمى لحكومة مركزية لا تملك من أمرها شيئا. ثمة فساد عظيم في أوساط الحكومة ابتداء من الرئيس وانتهاء بقطاع الطرق من الجيش والشرطة. فلا وجود لمؤسسات ولا بنية تحتية ولا تمثيل شعبي ولا رقابة ولا جيش ولا كفاءات ولا تعليم ولا صحة. أما أكثر ما يميز الاستراتيجية الجديدة فهي سد الفراغات في الاستراتيجية القديمة، إنْ وجدت، دون زيادة أو نقصان. فمن يصدق أن الأمريكيين بصدد إعمار أفغانستان وهم الذين قدّموا نفس العروض للمعارضة في الشمال عشية غزو أفغانستان؟ بل أنهم خيروهم بين التعاون معهم وكسب إعمار البلاد أو عدم التعاون وتدمير البلاد؟ فعن ماذا يجري الحديث: عن مقالة استراتيجية؟ أم عن حقل تجارب؟
أولا: المستوى العسكري
يمكن اعتبار الجانب العسكري في الاستراتيجية هو الأشد تعقيدا والأكثر طرافة سواء من جهة الأمريكيين أو الأفغان أو من جهة الأوروبيين. ومبدئيا ثمة ثلاث قوات تعمل في أفغانستان منذ غزوها سنة 2001 تتكون من 23 دولة على الأقل. وهي: (1) قوات حلف شمال الأطلسي و (2) قوات الأمم المتحدة العاملة تحت قيادة الحلف باسم «إبساف» وما تم تشكيله من (3) قوات أفغانية تابعة لحكومة كرازاي. أما عن عدد القوات العاملة فثمة قرابة 75 ألف جندي أفغاني تأمل أمريكا بزيادتهم إلى نحو 134 ألفا و 82 ألف شرطي بحسب الاستراتيجية، على أمل أن يرتفع إجمالي قوات الأمن إلى 400 ألف جندي وضابط شرطة بحسب صحيفة نيويورك تايمز الأميركية 19/ 3/2009 خلال السنوات القادمة. ومن جهتها رفعت الولايات المتحدة عدد قواتها بمقدار 17 ألف جندي بالإضافة إلى 32 ألف يعملون فعليا في أفغانستان، على أن يصل العدد الإجمالي لقواتها بحدود 68 ألفا.
في الجانب الإقليمي ضغطت واشنطن على باكستان كي تتولى الوضع في مناطق سوات ووزيرستان. لكن حتى تبدأ أية عملية باكستانية وتؤتي ثمارها كان على باكستان أن تجري تغييرات واسعة النطاق في قيادة الجيش من جهة وفي الوكالات الأمنية من جهة أخرى، وهذا ما حصل، ومهد الطريق لحرب الحكومة على وادي سوات ليس بهدف إسقاط اتفاقها مع الجماعات الإسلامية فيما يتعلق بتطبيق الشريعة بل لعزل المنطقة برمتها عن أفغانستان ومنع الحراك بين المناطق الحدودية للبلدين والحيلولة دون أية مساعدة من طرف لآخر وأخيرا لحرمان القاعدة مما يعتبره الأمريكيون ملاذا آمنا لها في باكستان.
بعد الإعلان عن الاستراتيجية الجديدة استضافت قناة الجزيرة الأدميرال مايكل مولن رئيس أركان الجيوش الأمريكية (5/ 4/2009) في أول حلقة من برنامج «من واشنطن» ، حيث أجاب على سؤال حول مدى نشاط الجيش الباكستاني في منطقة الحدود فقال: «الحقيقة أن الجيش لم يكن نشطا هناك على الحدود قبل عام» ، أما الآن فقد: «حصلوا على قيادة جديدة. والمسؤول العسكري الجديد يسعى لتقديم الدعم لقواته بشكل أفضل، والنتيجة أن القوات أصبحت أكثر نشاطا» . وهذه التصريحات تفند ما أشاعته بعض التصريحات المتشائمة، (4/ 5/2009) وهي تتحدث عن هاجس أمريكي يخيم على لقاء القمة المنتظر بين أوباما والرئيسين الباكستاني والأفغاني يوم 6/ 5/2009 لجهة: «إقناع باكستان منع طالبان من استخدام الأراضي الباكستانية لشن هجمات على أفغانستان» . وهكذا يكون الأمريكيون قد حصلوا من باكستان على ما أرادوه.
أما فيما يتعلق بالساحة الأفغانية فهي أشد تعقيدا من مثيلتها الباكستانية. فالبلاد خالية من الطرق المعبدة إلا ما نسبته 20% فقط. وهي نسبة من شأنها، كما يقول القائد الميداني السابق لقوات التحالف في أفغانستان الجنرال إيريك أولسون، إبطاء تحرك القوات المهاجمة وصعوبة التواصل بين مئات القرى والمناطق فضلا عن مشكلة إخلاء الجرحى. ومع نقص المعدات اللازمة فمن الطبيعي تَوقُّع إصابات خطرة جدا إن لم تكن قاتلة. ولا شك أن الحاجة إلى تدريب قوات أفغانية سببه عدم وجود قوات مؤهلة أصلا، وهذا يفسر إلى حد كبير العدد المحدود للقوات المشاركة في الحملة على هلمند. فقط 650 جندي. بينما القادة العسكريون يتحدثون عن استحالة تحقيق تقدم ما لم تكن هناك قوات أفغانية تعرف الطرق والمسالك وتتقدم الصفوف. لذا فإن زيادة عدد القوات الأفغانية من شأنها أن تحدث فارقا نوعيا في الحرب لاسيما وأن سكان البلاد يعرفون الطرق جيدا ويجيدون فهم بعضهم البعض. فمثل هؤلاء سيكونون في المستقبل القريب بمثابة «عيون وآذان» للقوات الأجنبية بحسب ما نقله وود ورد، أحد أبرز الصحفيين الأميركيين، في 1/ 7/2009 عن مسؤول مدني أفغاني. إذ: «إنهم في أمسّ الحاجة لمن يستطلع لهم أنباء العدو وينبههم إلى تحركاتهم» . وهو ما أشارت إليه الاستراتيجية بوضوح في أحد بنودها: «ستعمل كل وحدة أميركية في أفغانستان بالتعاون مع وحدة أخرى أفغانية» .
لكن، في الوقت، الحالي (5/ 4/2009) فإن الرقم الملح بحسب المتحدث باسم البيت الأبيض روبرت غيبس: «سيتضمن ثلاثة آلاف جندي إضافي بشكل مؤقت للمساعدة في توفير الأمن أثناء الانتخابات المزمع إجراؤها في أغسطس/آب المقبل» .
كل هذا الاستعداد لإعادة بناء الجيش الأفغاني وزيادة القوات يهدف إلى الاحتفاظ بالمناطق التي يجري السيطرة عليها. فالأعداد القليلة من القوات غالبا ما تسببت بأمرين: (1) فقدان السيطرة، مقابل (2) سيطرة طالبان التي نجحت في سد الفراغ كما تقول صحيفة النيويورك تايمز في 23/ 1/2009، وتمكنت من السيطرة على شريط حدودي بطول 550 ميلا تستعمله للتسلل مع باكستان. والعجيب أن وزير الدفاع الأمريكي لم يتذكر هذا الأمر حين كان يعمل وزيرا للرئيس السابق جورج بوش إلا بعد فوز أوباما وإعلانه عن الاستراتيجية الجديدة. ففي 24/ 2/2009 نسبت لوس أنجلوس تايمز له القول أثناء اجتماع لحلف شمال الأطلسي: «إن بإمكان القوات إنشاء قواعد ثابتة لهم في مراكز المناطق المأهولة» ، مشيرا أن: «العمليات العسكرية السابقة تعثرت بسبب انتقالها إلى مناطق أخرى» .
ورغم كثرة التصريحات التي ترى النموذج العراقي صالحا لإسقاطه على أفغانستان، لأكثر من سبب كاختلاف البيئة والجغرافيا والتاريخ فضلا عن التقسيمات الإدارية غير الكائنة في بلاد الأفغان، إلا أن الجنرال ديفيد بتريوس ظل حاضرا في قلب الاستراتيجية الجديدة بوصفه صانع صحوات العراق والقائد العام للقيادة الأميركية الوسطى. فهو يعارض الدفع بقوات ضخمة العدد إلى أفغانستان على غرار ما فعلته الولايات المتحدة في العراق (15/ 3/2009) لـ: «عدم توفر البنية التحتية الكافية على الأرض، إضافة إلى أن نظرة الأفغان لقوات التحالف وعدم اعتبارهم فاتحين» فضلا عن «صعوبة الأوضاع» وتوقعه أن: «تزداد سوءا» . لكنه ما زال يدعو إلى تشكيل مجالس للصحوات رغم اعترافه (9/ 2/2009) أن: «لاشيء سهل في أفغانستان» . بل أنه يجد الدعم حتى من القائد السابق لقوات حلف شمال الأطلسي في أفغانستان الجنرال ديفد ماكيرنان الذي نسبت له صحيفة لوس أنجلوس تايمز الأميركية (24/ 2/2009) القول: «يمكن للقوات الجديدة تطبيق المتغيرات الإستراتيجية المختلقة بشأن \"المتمردين\"التي ثبت نجاحها في العراق، والمتمثلة في فحص منطقة معينة أولا ثم تطهيرها من المسلحين» .
بطبيعة الحال يحيلنا كلام الجنرالين، بتريوس وماكيرنان، إلى ما يسمى برنامج: «قوة حماية الشعب الأفغاني» الذي بدئ العمل به في خضم شهر آذار/ مارس الماضي في إقليم ورداك. فقد أوردت صحيفة كريستيان ساينس مونيتور (14/ 4/2009) بعض الملامح للبرنامج الذي تسعى الولايات المتحدة من خلاله إلى إنشاء صحوات على شاكلة الوضع في العراق. فهو برنامج ينشط به أعضاء في مجالس المناطق المحلية في الإقليم يقومون بترشيح عناصر محليين، من مختلف القرى، للانضمام لقوة الحماية ثم إخضاعهم لثلاثة أسابيع من التدريب على أيدي أفغان ومستشارين أميركيين، على أن يعودوا إلى مناطقهم براتب 125 دولارا شهريا. وإذا ما نجح البرنامج فإن التفكير يتجه إلى تعميمه على أكثر من 40 منطقة في جنوب وشرق البلاد.
بيد أن الصحيفة تحدثت عن انتقادات وتشكيك في مدى نجاح البرنامج خاصة وأن هذه «القوة» تتشكل في نهاية المطاف بموجب معايير قبيلة أو عرقية توطئ لحرب أهلية وخطر على الأمن والاستقرار. وتدلل على ذلك بحالة البرنامج في منطقة جالرز التابعة لورداك. إذ أن 38 شخصا فقط من أصل 128 مشارك في البرنامج ينتمون إلى قبيلة البشتون ذات الأغلبية الساحقة في صفوف طالبان، والأكثرية السكانية في منطقة جالرز. أما البقية الغالبة فهي من أعراق وقبائل مختلفة. وهذه وضعية من شأنها أن تثير القبائل ضد بعضها البعض. لكن رغم ذلك، خرج القائد الجديد للقوات الأمريكية والناتو في أفغانستان الجنرال ستانلي ماكريستال ليتحدث في تصريحات له: «عن إمكانية تكوين قوات صحوة سنية في أفغانستان، مثلما حدث في العراق» .
ثانيا: المستوى المدني
لا يقل المستوى المدني تعقيدا عن المستوى العسكري. ومبدئيا يمكن القول أنه لأول مرة يشعر الأمريكيون وحلفاءهم بالورطة الكبيرة التي وقعوا بها في أفغانستان. لذا تراهم يتخلون عن استراتيجية القتل ويستبدلونها على الفور باستراتيجية حماية المدنيين.
كتب رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي جون كيري مقالة في الواشنطن بوست (11/ 2/2009) بعنوان: «سباق مع الزمن في أفغانستان» قال فيها أن: «الوجود الأجنبي لم يعد مرحبا به في تلك البلاد» ، وعليه فلا بد من: «الشروع بإستراتيجية جديدة كليا: (1) تقرّ بتاريخ أفغانستان من الحكم اللامركزي و (2) إدراك قدرات حلف شمال الأطلسي و (3) حلفائنا الأفغان» . والحقيقة أن الأمريكيين ليسوا سليلي حضارة أو تاريخ حتى يدركوا تاريخ الأمم وحضاراتها. واستعمالهم لمعيار القوة في التعامل مع الآخرين لم يعد يصلح للأمم العريقة ولا للشعوب الحية وذات العزيمة التاريخية كالشعب الأفغاني. لذا فإنْ كان ثمة «إقرار حقيقي» فلا بد من أن يشمل تاريخ الأفغان سواء في الحكم كما يريد «كيري» ، أو في الشخصية الأفغانية، وفيما تستبطنه من تراث ضخم في التعامل مع الغزاة، أو في عقيدة الأفغان، وهو ما لا يريد الأمريكيون والأوروبيون الإقرار به حتى الآن.
هذه هي المشكلة في العقلية الأمريكية. ففي تصريحات (25/ 6/2009) ذات دلالة للجنرال ستانلي مكريستال قال فيها: «في رأيي ما يتعين علينا أن نفعله هو أن نُعدّ رأيا ثقافيا» . لكن هذا الرأي يخص القوات الأجنبية التي تحتاج بحسبه إلى «تحول ثقافي» يمكّنها من التركيز على كسب الأفغان. ذلك أن معظم قواته مدربة، كما قال، على خوض قتال: «بالغ الشدة، وتقليدي يهدف إلى تدمير العدو واستخدام كافة الإمكانيات المتاحة» ، وهذا: «يتناسب مع ميدان المعركة التقليدي حيث يواجه الجيش جيشا، لكنه غير مناسب لميدان معركة لمواجهة تمرد» .
وفي مقالة نشرها الموقع الإلكتروني لمجلة فورين بوليسي (1/ 6/2009) بعنوان: «هل تجرؤ أميركا على التورط في مواجهة المتمردين ثانية؟» ، نقل الكاتب روبرت هاديك شهادة لأحد أعضاء الفرق الإنسانية العاملة في العراق وردت في دراسة. أما الشهادة فتتضمن فكرة تستهوي الأمريكيين، وهي تقول بأن: «اعتذارا يمكنه تحقيق ما تعجز القاذفة عن تحقيقه B2 » . لكن إنْ لم يتحقق «مفعول الاعتذار» ونفذت صلاحيته؛ فهل ستستعمل أمريكا القوة ضد كل من يعارضها؟ وهل هذا يشمل المدنيين الذين جاءت لحمايتهم؟!
قبل الإعلان عن الاستراتيجية؛ أشار وزير الخارجية البريطاني ديفد ميليباند في مقالة مبكرة له كتبها في صحيفة الاندبندت (25/ 2/2009) بعنوان: «الجيش وحده عاجز عن هزيمة طالبان» إلى أن مزيدا من الجنود لن يكون كافيا لتوطيد الاستقرار في البلاد. ولكن فقط عبر: « (1) ممارسة الضغط على أولئك الذين يرفضون التعاون مع الحكومة الأفغانية، و (2) بتوفير الحماية لمن يبدي التعاون» . وهذا الموقف لم يتغير بعد إعلانها (الاستراتيجية) بقدر ما أكده روبرت غيتس وزير الدفاع الأمريكي. بل أن غيتس نفسه، بعد نحو شهر من الإعلان عن الاستراتيجية الجديدة، خرج ليحذر من وجود ثغرات في الاستراتيجية الخاصة بأفغانستان مشيرا إلى: «تخلف الجانب المدني في أفغانستان عن الجانب العسكري» !
أما لماذا تحدث غيتس بلغة «التخلف» وليس بلغة «الغياب» ، فلأن الولايات المتحدة كانت حريصة على إرسال جيوشها العسكرية قبل أن ترسل خبراءها المدنيين، ولما شعرت بالحرج، وخشية أن تفقد مصداقيتها، سارع غيتس إلى الإدلاء بتصريحاته هذه مشيرا إلى أنه: «سيطلب من جنود الاحتياط أصحاب المهارات مثل الأطباء البيطريين والمحاسبين والمهندسين الزراعيين التطوع لتقديم مساعدات التنمية للشعب الأفغاني إلى أن يحل محلهم أفراد من وزارة الخارجية الأميركية والوكالة الأميركية للتنمية الدولية» . وقد بالغ في تصريحاته كي يظهر بمظهر «الحريص» فيما يقترح ويسعى إليه: «أمامنا وقت محدود لنظهر فيه أننا نحقق تقدما في أفغانستان, ولا أريد أن يحدث أي تأخير سواء كان ذلك على الجانب العسكري أو على الجانب المدني» . لكن هل يعقل أن يسقط الجانب المدني من استراتيجية تدعو إلى كسب قلوب السكان وتركز على جوانب التنمية والإعمار ثم يجري استدراكه بهذه الحمية؟
المستوى السياسي
كل هذه العجلة التي نلحظها في السياسة الأمريكية تجاه باكستان وأفغانستان على وجه الخصوص سببها الانتخابات الأفغانية القادمة التي تأجل إجراؤها، لـ: «دواع أمنية» ، إلى 20/ 8/2009 بدلا من 20/ 5/2009. فهي تريد تحقيق بعض الاستقرار لتأمين الانتخابات، وتريد التفاوض مع الطالبان، وتريد حكومة جديدة وتغيير الوجوه القديمة، وتريد مساعدة الشعب الأفغاني وكسب ثقته، وتريد تحسين صورتها، وتريد تحقيق «التغيير» . وكل هذا وغيره في بضعة شهور قليلة! والحقيقة أن أمريكا تتصرف كمن يُحضِّر للسفر وقد فاته القطار. فما الذي يجعل الولايات المتحدة «تسابق الزمن» في موضوع الانتخابات؟
إنها تريد باختصار، وبدون لف أو دوران، تغيير الطابع الإداري المركزي للبلاد وتفكيكه إلى نسخة أمريكية تسمح بتوطين بذور النزاع المحلي مستقبلا ولا تسمح بالتعافي أبدا. هذا الأمر تقدمه الولايات المتحدة في صيغة «نظام حكم لامركزي» كما يقترحه كيري وغيره من المسؤولين الأمريكيين.