قال المؤلف رحمه الله تعالى:‹‹ كتاب المناسك ›› كثير من الفقهاء يعبرون عن كتاب الحج بكتاب المناسك لما فيه من النسيكة وهي الذبيحة، وقيل إنه من التنسك وهو التعبد، وجماعة من أهل العلم يقولون كتاب الحج ولا مشاحة في ذلك إذا عرف المقصود، ولكل وجهه.
والحج أحد أركان الإسلام التي أجمع المسلمون عليها، وهو الركن الخامس من أركان الإسلام في أكثر الأحاديث، كما جاء في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وقد قال تعالى:‹‹ ولله على الناس حج البيت لمن استطاع إليه سبيلًا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين ››.
قوله تعالى:"ومن كفر"قيل بترك الحج، وهذا مذهب عمر بن الخطاب، وابن عمر رضي الله عنهما، ورواية عن أحمد، ومذهب سعيد بن جبير، وطائفة من فقهاء المالكية، وهو أحد القولين عن ابن عباس رضي الله عنه، فعلى هذا القول: يكون تارك الحج متعمدًا بدون عذر كافرًا، لعموم قوله تعالى:‹‹ ومن كفر ››، والكفر هنا الكفر الأكبر الناقل من الملة.
وقد ذهب غير واحدٍ من أهل العلم، وهو أحد الروايتين عن الإمام أحمد: أن من ترك شيئًا من مباني الإسلام فإنه كافر، فمن ترك الصلاة فإنه كافر وهذا أجمع عليه الصحابة، ونقل هذا الإجماع إسحاق رحمه الله؛ والإمام أحمد يقول:"من ترك الزكاة فهو كافر"، وهذا قول طائفة من أهل العلم، وقد استدلوا بحديث أبي هريرة رضي الله عنه:"وكفر من كفر من العرب بمنعهم للزكاة ..."، وقال أيضًا بكفر تارك الصيام، وكفر تارك الحج.
وقال بعض أهل العلم لا يكفر إلا بترك الشهادتين والصلاة، للإجماع على ذلك، وأما مانع الزكاة - ما لم يُقاتِل عليها - وتارك الصيام والحج فلا يكفر، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - حين ذكر مانع الزكاة قال:‹‹ إما أن يُرى سبيله إما إلى الجنة و إما إلى النار ››، فلو كان كافرًا لم يقل النبي - صلى الله عليه وسلم:‹‹ إما إلى الجنة وإما إلى النار ››، لأن الكافر لا يشم رائحة الجنة، وهذا قول الجمهور، والذين لا يكفرون تارك الحج، يقولون بأنه إذا لم يكفر تارك الزكاة فإنه لا يكفر تارك الحج من باب أولى، وأجابوا عن هذه الآية:‹‹ ومن كفر ›› قالوا: من قال إن الحج ليس بفرض فهذا هو الكافر، وهذا ثبت عن ابن عباس بأنه قال هذا القول، حيث قال:"‹‹ ومن كفر ›› أي زعم أنه ليس بفرض"، وقالت طائفة: ‹‹ ومن كفر ›› أي من زعم بأنه مخير بين الفعل والترك فهذا هو الكافر، وأما إذا جحد وجوب الحج فإنه كافر بالإجماع ولو أدى الحج.