عنهما وأنه مجرد اجتهاد، وقد أخذه بعض الفقهاء وتركوا الآخر حين قال:"أو نسي"، وقد دلت الأحاديث الصحيحة على خلافه كما تقدم شيءٌ منها،"فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - رخص للعباس أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته"والحديث في الصحيحين، فهنا قد ترك واجبًا ولم يوجب عليه دمًا، فإن قيل: معذور، نقول: العذر يسقط الإثم ولا يسقط الدم لو كان هناك دم، بدليل أن كعب بن عجرة حين حلق رأسه وكان معذورًا أوجب عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - الدم والحديث في الصحيحين كما سبق تقريره.
قال المؤلف:‹‹ سواء كان عالمًا بالحكم أو جاهلًا، عامِدًا أو ناسيًا ›› أي فهؤلاء إن دفعوا قبل نصف الليل فعليهم دم ولا يعذرون بالجهل ولا بالنسيان، وقد تقدم قول الإمام أحمد رحمه الله فيمن لم يأتي جمعًا قال:"ليس عليه شيء إن اخطأ الطريق أو كان جاهلًا".
قال المؤلف:‹‹ كوصوله إليها أي إلى مزدلفة بعد الفجر فعليه دم ›› لأن الواجب أن يأتي ليلًا فإذا منعه الزحام أو ضلّ الطريق ونحو ذلك فلم يأتِ مزدلفة إلا بعد طلوع الفجر فعليه دم على قول المؤلف، وفيه نظر، والصحيح أنه لا دم عليه، وقد تقدم قول أحمد رحمه الله في هذا، وتقدم أثر عمر رضي الله عنه أيضًا في الرجل الذي لم يأتِ المزدلفة إلا قبيل دفع الناس بشيء قليل فلم يأمره عمر بدم، وهذا الأثر تقدم ذكره مرارًا لأن شيخ الإسلام رحمه الله عزاه لسعيد وصححه واحتج به أحمد رحمه الله ولكن لم يتهيأ الوقوف على إسناده باعتبار فقد سنن سعيد أو فقد الجزء الموجود فيه هذا الأثر، ويحتمل أثر عمر رضي الله عنه أمورًا: يحتمل أن الوقوف سنة وليس بواجب، ويحتمل أن الوقوف واجب من الدفع من عرفات إلى دفع الإمام إلى منى فكل محل للإيجاب ومن أتى بعد الفجر فقد أدرك، ويحتمل أنه واجب ولكن يعذر الشخص بالنسيان أو بالجهل كما فعل عمر رضي الله عنه فإنه حين عذره لا يلزم أنه لا يراه واجبًا فقد يكون يراه واجبًا ولكن الدم لا دليل عليه ولاسيما وأنه جاهل، هذا الأثر يحتمل كل هذه الاحتمالات، وعلى كلٍ المبيت بمزدلفة تقدم أنه واجب فليس بسنة وليس بركن.
المؤلف يقول:‹‹ لا إن وصل إليها أي قبل الفجر فلا دم عليه وكذا إن دفع من مزدلفة قبل نصف الليل وعاد إليها قبل الفجر لا دم عليه ›› وهذا واضح.
يقول المؤلف:‹‹ فإذا أصبح بها صلى الصبح بغلس ›› وذلك في أول الوقت، وفي حديث جابر رضي الله عنه في صحيح مسلم:"فصلى - أي النبي - صلى الله عليه وسلم - الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة"، وفي