بمزدلفة بل ما أتاها إلا قبيل الإفاضة، فكان هذا دليلًا على أن عمر رضي الله عنه لا يرى ركنية المبيت بمزدلفة فقد صحح حج الرجل ولم يلزمه بدم ولا غيره، وهذا قد يحتج به أيضًا من قال بأن المبيت بمزدلفة غير واجب وأنه يجزئ الوقوف قبل الإفاضة.
وعمومًا الأدلة على أن المبيت بمزدلفة غير ركن كثيرة، والاحتجاج بحديث عروة بن مضرس رضي الله عنه لا يصلح بل هو حجة عليهم لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال فيه:‹‹ من شهد صلاتنا هذه ››، فهذا دليل على أنه لم يبت بمزدلفة الليل، فإن قيل: مفهومه أن من لم يشهد الصلاة فلا حج له، فيجاب عنه: بأن هذا المفهوم مقرون بترك الوقوف بعرفة فليس مختصًا بترك الصلاة بمزدلفة، والصحيح أن من أتى مزدلفة ليلًا فإنه يبيت بها إلى طلوع الفجر الثاني، والسنة أن يجلس وأن يدفع قبيل طلوع الشمس مخالفةً للمشركين فإنهم لا يدفعون حتى تطلع الشمس وسيأتي هذا، فإن دفع بعد الفجر فلا شيء عليه وإن لم يأتِ المزدلفة إلا بعد الفجر أجزأه وقوفه وكان هذا هو الواجب في حقه لأثر عمر - رضي الله عنه - السابق.
قال المؤلف:‹‹ وله الدفع من مزدلفة قبل الإمام بعد نصف الليل - وهذا المشهور في مذهب الإمام أحمد رحمه الله - لقول ابن عباس"كنت فيمن قدّم النبي - صلى الله عليه وسلم - في ضعفة أهله من مزدلفة إلى منى"›› وهذا الحديث متفق على صحته، وفي الباب حديث ابن عمر رضي الله عنهما متفق عليه، وحديث أسماء متفق عليه، وترخيص النبي - صلى الله عليه وسلم - لأهل الأعذار دليل على أنه لا رخصة للأقوياء في الدفع من مزدلفة حتى يصلّوا بها الفجر، وقول المذهب:‹‹ وله الدفع من مزدلفة قبل الإمام بعد نصف الليل ›› هو على الصحيح لأهل الأعذار ومن لم يكن له عذر فلا يجوز له الدفع والاستدلال بحديث ابن عباس رضي الله عنهما على جواز الدفع بعد نصف الليل فيه نظر وليس في محله فإنه في حق الضعفاء ومن كان تابع لهم ومفهومه حجة على أن الأقوياء لا يدفعون.
وقول المؤلف:‹‹ بعد نصف الليل ››لم يرد دليل على هذا التوقيت، وقد جاء عن أسماء رضي الله عنها تحديد الدفع للضعفاء بغيبوبة القمر وهو متفق على صحته.
قال المؤلف:‹‹ والدفع قبله أي قبل نصف الليل فيه دم ›› تقدم أنه يأثم، ولكن الدم شديد فلا بد له من دليل تقوم به حجة، ولا يصلح في هذا الباب مجرد الاجتهاد فأموال الناس معصومة بعصمة دمائهم، وقاعدة:"من ترك واجبًا فعليه دم"لم تعتمد على دليل سوى أثر ابن عباس رضي الله عنهما الذي رواه مالك في الموطأ عن أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال:"من ترك شيئًا من نسكه أو نسيه فليهريق دمًا"، وقد تقدم بحث هذه القضية والجواب عن أثر ابن عباس رضي الله