قال:‹‹ ويبيت بها أي بمزدلفة وجوبا لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - بات بها وقال"خذوا عني مناسككم"›› رواه النسائي وغيره، ولفظ مسلم:‹‹ لتأخذوا مناسككم ›› رواه مسلم من طريق ابن جريج قال أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابرًا رضي الله عنه يحدث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد اختلف العلماء في حكم المبيت في مزدلفة:
القول الأول: واجب ومن تركه عليه دم وهذا قول أكثر أهل العلم، وهو مذهب الإمامان الشافعي وأحمد رحمهم الله، على خلاف بينهم في القدر الواجب في المبيت، فقال الحنابلة: إلى نصف الليل فإذا دفع بعد ذلك فلا شيء عليه، والصحيح عند الشافعية أنه يبيت معظم الليل، وقال مالك رحمه الله:"من نزل بمزدلفة وجلس فيها بقد حط الرحال ونحو ذلك ثم دفع منها فقد أجزى ولا دم عليه فإن لم ينزل فيها وتقدم إلى منى فعليه دم".
القول الثاني: أن المبيت بمزدلفة سنة، من فعل ذلك فقد أحسن ومن لا فلا حرج.
القول الثالث: أن المبيت بمزدلفة ركن من أركان الحج فلا يصح الحج إلا به، وهذا مروي عن عبدالله بن الزبير رضي الله عنهما، وعلقمة بن قيس، والشعبي، والحسن البصري، وهو اختيار الإمام ابن خزيمة رحمه الله، على خلاف بين هؤلاء في القدر الذي يحصل به أداء الركن، ودليلهم على الركنية قوله تعالى:‹‹ فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام ››، ولحديث عروة بن مضرس رضي الله عنه عند الإمام أحمد وأهل السنن بسند صحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:‹‹ من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا فقد أتم حجه وقضى تفثه ›› مفهوم هذا الحديث أن من لم يقف في مزدلفة حتى يدفع الإمام فإنه لم يقضِ حجه.
والصحيح أن المبيت بمزدلفة واجب إلى طلوع الفجر، ويرخص لأهل الأعذار بالدفع بعد غيبوبة القمر والأحاديث في ذلك صحيحة، وقال الإمام أحمد رحمه الله فيمن لم يأتِ جمعًا فقال:"ليس عليه شيء إذا أخطأ الطريق أو كان جاهلًا"؛ والقول بالركنية فيه نظر، فإن العلماء مجمعون على أن وقت عرفة يمتد إلى طلوع الفجر من يوم النحر فحينئذٍ لم يبقَ وقت للمبيت بمزدلفة فإذا أتاها بعد الفجر أجزئ، وقد روى سعيد بن منصور عن إبراهيم عن الأسود:"أن رجلًا قدم على عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو بجمع بعد ما أفاض من عرفات فقال يا أمير المؤمنين: قدمت الآن!! فقال:"أما كنت وقفت بعرفات؟؟"قال: لا، قال:"فأتِ عرفة وقف بها هنيهة ثم أفض"، فانطلق الرجل وأصبح عمر في بجمع وجعل يقول: أجاء الرجل، فلما قيل قد جاء أفاض"، هذا الأثر رواه سعيد بن منصور، وصححه الإمام ابن تيمية، واحتج به الإمام أحمد رحمه الله، فهذا الرجل قد طلع عليه الفجر ولم يبت