قال المؤلف رحمه الله:‹‹ والإفراد أن يحرم بحج ثم بعمرة بعد فراغه منها ›› لا يلزم أن يحرم بعمرة بعد الفراغ لو أحرم بالحج ثم حج ورجع إلى بلده ولم يأخذ عمره بعد الحج صح إفراده بل قال غير واحد من أهل العلم بالاتفاق. وأخذ العمرة بعد الحج مختلف فيه إلا لمن وقع في مثل حالة عائشة رضي الله عنها وقد تقدم أن جماعة من أهل العلم نقلوا الإجماع على جواز الأنساك الثلاثة ولكن اختلفوا في الأفضل، وقال ابن حزم رحمه الله بنسخ الإفراد فلا يصح إلا تمتع وقران إذا ساق الهدي وهذا ظاهر المنقول عن ابن عباس ومال إليه ابن القيم كما تقدم لفظه في ذلك فله صريح قوله.
ولكن جاءت أدلة كثيرة تدل على جواز الإفراد كعمل أكابر الصحابة أبي بكر وعمر وعثمان وكحديث عائشة السابق في الصحيحين لأن الناسخ غير صريح وكحديث أبي هريرة في صحيح مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:‹‹ والذي نفسي بيده ليُهِلَّنَّ ابن مريم بفج الروحاء حاجًا أو معتمرًا أو ليَثنيهما ›› بفتح الياء.
قوله ‹‹حاجًا ›› هذا المفرد ‹‹أو معتمرًا ›› هذا المتمتع ‹‹ أو ليثنيهما ›› هذا القارن فعلم أنه ما نسخ لأن هذا خبر عما سوف يأتي في المستقبل ونحن نعلم أن عيسى إذا نزل سوف يتبع شرع نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - لا يأتي بشرع جديد فكون النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول:‹‹ حاجًا ›› هذا دليل على جواز إفراد الحج وأنه ما نسخ ولأن الأحاديث دالة على الأمر في الأمور السابقة إما أن تحمل على من لم يتضايق عليه الوقت أو على تأكد الاستحباب أم نسخه بالكلية فهذا فيه نظر وفيه بعد ومن المحال أيضا أن يكون الإفراد منسوخًا بالكلية ويضِلُّ عن النسخ أكابر الصحابة فإن من المحال أن أبا بكر حج بالناس مفردًا وكل الناس على الغلط ثم يأتي عمر يحج بالناس مفردًا وكلهم على الغلط هؤلاء أكابر الصحابة يحجون مفردين وكلهم على الغلط وأتباعهم على الغلط هذا لا يمكن أن يقال،
وإن قال قائل عارضهم ابن عباس فالجواب نقول أن معارضة ابن عباس تحتمل أحد أمور:
الأمر الأول: يحتمل أن معارضة ابن عباس لكونهم تركوا الأفضل وهو التمتع.
الأمر الثاني: يحتمل أن معارضة ابن عباس لكونهم أوجبوا ذلك على الناس كما هو قول طائفة من أهل العلم لأنه قيل أنهما يجيبان ذلك فأنكر ابن عباس إيجاب هذا وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر الناس بالفسخ.
الأمر الثالث: أن ابن عباس أنكر عليهم لأنه يرى وجوب التمتع.
وعلى كل نقول ملخص ما تقدم - وإن تداخل الحديث بعضه في بعض لاتباع تنسيق المؤلف - نقول ما يلي:
أن الأنساك ثلاثة: