رداءً مطيبًا، وذلك لما في الصحيحين من حديث مالك عن نافع عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:‹‹ لا تلبسوا من الثياب شيئًا مسه زعفران أو ورس ››، قوله:‹‹ لا تلبسوا ›› اللا هنا ناهية، والأصل في النهي التحريم، ولهذا جُزِمَ الفعل بعدها؛ قوله:‹‹ من الثياب ›› أي الإزار والرداء؛ قوله:‹‹شيئًا›› نكرة في سياق النهي تفيد العموم؛ قوله:‹‹ مسه زعفران أو ورس ›› هذا دليل على تحريم لبس الإزار أو الرداء المطيبين، وبهذا قال جماعة من أهل العلم، وهو اختيار الآجري، وابن حزم، رحمهم الله جميعًا.
يقول المؤلف رحمه الله:‹‹ ومتى تعمد مس ما على بدنه من الطيب أو نحاه من موضعه ثم رده إليه - أي بعد إحرامه - أو نقله إلى موضع آخر - يقول- فدى ›› لأن هذا ابتداء للطيب فحرم فعله، وفي هذا نظر!!، لأن الطيب وُضِعَ بدليل شرعي قبل الإحرام، فحينئذٍ لابد أن يسيل على الملابس أو يمسه، ولهذه المسألة حالات:
الحالة الأولى: إذا كان المس نسيانًا أو جهلًا، فهذا لا إشكال فيه، أنه لا شيء عليه مطلقًا، لا إثم، ولا فدية.
الحالة الثانية: أن يكون متعمدًا، فهذا قد يقال بالإثم كما أشار إليه المؤلف، ولكن القول بالفدية فيه نظر.
الحالة الثالثة: أن يتقصد تطييب البدن، أو تطييب الثوب الإزار والرداء، بعد عقد النية، فهذا محرم بالإجماع لا خلاف فيه، فإذا كان متعمدًا فعليه فدية عند أكثر أهل العلم، يعفى عن الجاهل، والناسي، عند طائفة، وعند بعضهم أنه يأثم، ولا فدية عليه.
استدرك المؤلف رحمه الله بقوله:‹‹ لا إن سال بعرق أو شمس - أي ما تقصد ذلك - فلا فدية عليه ›› لأنه قد جاء في سنن أبي داود من طريق عمر بن سويد الثقفي عن عائشة بنت طلحة عن عائشة رضي الله عنها قالت:"كنا نخرج مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى مكة فنضمد جباهنا بالمسك عند الإحرام فإذا عرقت إحدانا سال على وجهها فيراه النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا ينهاها"، وفي ذلك فوائد:-
الفائدة الأولى: فيه مشروعية الطيب للمرأة عند الإحرام، قبل عقد النية، بشرط ألا تظهر رائحته، لأن ذلك مؤذٍ للرجال، ولأن هذا يعرض المرأة للافتتان بها.
الفائدة الثانية: فيه جواز استدامة الطيب بعد عقد النية.