والقول الثاني في المذهب الحنبلي: أنه يحل له كل شيء إلا الوطء في الفرج، لأنه أغلظ المحرمات ويفسد النسك، بخلاف غيره وهذا أقرب إلى الصواب من القول الأول، وهو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله، واختار ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، لأنه ليس بمحرم إذ لو كان محرمًا لما جاز له قتل الصيد ولا لبس الثياب ولا الطيب ولا غير ذلك من محظورات الإحرام، فهو لم يُحرّم عليه سوى الجماع دون مقدماته، وحينئذٍ لو عقد النكاح بعد التحلل الأول صح ذلك في أصح قولي العلماء.
قوله:‹‹ لما روى سعيد عن عائشة رضي الله عنها مرفوعًا:"إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطيب والثياب وكل شيء إلا النساء"›› وهذا الخبر رواه الإمام أحمد في مسنده من طريق الحجاج بن أرطأة عن أبي بكر بن محمد عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ورواه أبو داود بلفظ آخر من طريق الحجاج عن الزهري عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها، وفيه ضعف واضطراب، وقد ضعفه أبو داود والبيهقي وأكثر الحفاظ، ولم يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - التحلل باثنين من ثلاثة، ولو ثبت حديث الباب فليس فيه التحلل باثنين من ثلاثة فلفظه:‹‹ إذا رميتم وحلقتم ›› فيتحلل بعد الرمي والحلق بحيث لو رمى وطاف لم يتحلل لأن الحديث مقيد بالرمي والحلق، وعلى كلٍ فالخبر ضعيف ولا يصح الاحتجاج به.
قوله:‹‹ والحِلاق والتقصير ممن لم يحلق نسك ›› وهذا قول الجمهور، بمعنى أنه ليس هو استباحة محظور على قول ضعيف عن الشافعي رحمه الله وقول في المذهب الحنبلي، الصحيح أن الحلاق والتقصير نسك وهو قول الجمهور، وحينئذٍ يثاب فاعله ويعاقب تاركه.
قوله:‹‹ في تركهما دم ›› أي في ترك الحلق والتقصير دم، فلو اقتصر على الحلق دون التقصير أجزئ، أو على التقصير دون الحلق أجزئ، ولو تركهما جميعًا أثم وعليه دم عند أكثر العلماء، لأنه ترك واجبًا.
قوله:‹‹ لقوله - صلى الله عليه وسلم:"فليقصر ثم ليتحلل"›› هذا جزء من حديث رواه البخاري ومسلم من طريق الزهري عن سالم بن عبدالله عن ابن عمر رضي الله عنهما الحديث وفيه:"ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليحلل"، وهذا الخبر دليل على أن الحلق والتقصير نسك، ولكن لا يلزم من كون ذلك نسكًا وجوب الدم على من ترك ذلك، لأنه لم يثبت في ترك الواجبات دم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - غاية ما في الباب قول ابن عباس رضي الله عنهما:"من ترك شيئًا من نسكه أو نسيه فليهرق دمًا"، رواه مالك بإسناد صحيح وقد تقدم الجواب عنه وأنه اجتهاد، وقد ترك العباس رضي الله عنه المبيت بمنى ليالي منى وذلك برخصة من النبي - صلى الله عليه وسلم - والحديث في الصحيحين ولم يوجب عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - دمًا، وكونه معذورًا لا يعني سقوط الدم فإن