فهرس الكتاب

الصفحة 192 من 235

وهذا الخبر لا يصح الاحتجاج به على جواز الرمي بعد نصف الليل لأنه منكر، ولو ثبت وكان صحيحًا لو جب حمله على العاجز والضعيف ومن رخص له بالدفع كالتابع لهم.

وقد جاء في الصحيحين وغيرهم من طريق ابن شهاب عن سالم:"أن ابن عمر رضي الله عنهما كان يقدم ضعفه أهله فيقفون عند المشعر الحرام بالمزدلفة بليل فيذكرون الله ما بدا لهم ثم يرجعون قبل أن يقف الإمام وقبل أن يدفع فمنهم من يقدم منى لصلاة الفجر ومنهم من يقدم بعد ذلك فإذا قدموا رموا الجمرة، وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول:"أرخص في أولئك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -""، وجاء بمعناه في حديث أسماء في الصحيحين: فقد رمت الجمرة ثم رجعت فصلت الصبح في منزلها.

وأما حديث ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قدم ضعفة أهله وقال:‹‹ لا ترموا حتى تطلع الشمس ›› رواه الترمذي وغيره فهذا الحديث شاذ ومعلول، العلة الأولى: أنه قد جاء ترخيص النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما ولم يذكر له:‹‹ ولا ترموا حتى تطلع الشمس ››، العلة الثانية: الاضطراب وبه أعله الإمام البخاري في التاريخ الأوسط.

وكل من رُخِّصَ له بالدفع من مزدلفة وقدم منى فإنه يرمي حين يقدم فالرمي تحية منى، وما عدا أهل الأعذار فلا يجوز لهم الدفع من مزدلفة كما تقدم بيانه في بابه، وقد تقدم أنه يلحق بأهل الأعذار التابع لهم فإذا لم يَجُزِ الدفع لغير أهل الأعذار فحينئذٍ يمتنع عليهم الرمي، فلو أن امرئً دفع بعد نصف الليل بدون عذر فإنه يأثم بذلك كما تقدم ولا يرمي، فإن رمى فقد أخطأ ولا دم عليه ولكن إن علم بالحكم في يوم النحر فأعاد الرمي فقد أحسن وإن لم يعد فلا شيء عليه.

قال المؤلف:‹‹ فإن غربت شمس يوم الأضحى قبل رميه رمى من غدٍ بعد الزوال ›› والصحيح أنه يرمي بعد غروب الشمس من يوم النحر، وقد روى مالك في الموطأ بسند صحيح عن أبي بكر بن نافع عن أبية:"أن ابنة أخٍ لصفية بنت أبي عبيد نفست في مزدلفة فتخلفت هي وصفية حتى أتتا منى بعد أن غربت الشمس من يوم النحر فأمرهما عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما أن ترميا الجمرة حين أتتا ولم يرَ عليهما شيئًا"، وهذا واضح فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - بيّن بدء الرمي ولم يذكر نهايته، وتأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع، وقد روى ابن أبي شيبة في المصنف من طريق ابن جريج عن ابن سابق رحمه الله قال:"كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقدمون حجاجًا فيدعون ظهرهم فيجيئون فيرمون بالليل"، وجاء في البخاري من حديث ابن عباس أن رجلا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله رميت بعد ما أمسيت؟ فقال:‹‹ لا حرج ››، والمساء شامل عام لكل ما يسمى بالمساء، فلا يصح تخصيصه بما بعد الزوال

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت