قال المؤلف:‹‹ فإن بدأ بالمروة سقط الشوط الأول فلا يحتسبه ›› لأن هذا مخالف لهدي النبي - صلى الله عليه وسلم - وهدي الصحابة رضي الله عنهم، فلا يُحتسب له، فيجب عليه البدء بالصفا لقوله تعالى:‹‹ إن الصفا والمروة ››، وقد فسر - صلى الله عليه وسلم - الآية بفعله، وقال:‹‹ أبدأ بما بدأ الله به ›› كما في حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه في صحيح الإمام مسلم، وفي رواية:‹‹ ابدؤوا بما بدأ الله به ›› وهي شاذة، والصحيح بلفظ الخبر:‹‹ أبدأ بما بدأ الله به ››، فالبدء بالمروة دون الصفا إحداث في الدين لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - بدأ بالصفا، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول:‹‹ عليكم بسنتي ››، كما روى ذلك أهل السنن من حديث العرباض بن سارية.
قال المؤلف:‹‹ ويكثر من الدعاء والذكر في سعيه ›› إن شاء دعا، وإن شاء أكثر من الذكر، وإن شاء قرأ القرآن، كل هذا لا بأس به، المهم أن يشغل هذا الوقت بما يقربه إلى الله جل وعلا، من ذكر، أو دعاء، أو قراءة قرآن، أو غير ذلك.
قال:‹‹ قال أبو عبد الله كان ابن مسعود إذا سعى بين الصفا والمروة قال:"رب اغفر وارحم واعف عما تعلم وأنت الأعز الأكرم"›› تقدم تقييد هذا بين العلمين، وظاهر نقل المؤلف أنه يقال على وجه العموم، وبينما المحفوظ عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه يقوله بين العلمين إذا هبط الوادي، وهذا الخبر جاء مرفوعًا وموقوفًا، والمرفوع لا يصح بحال، والموقوف صحيح، جاء من طرق عن أبي وائل عن مسروق:"أن ابن مسعود رضي الله عنه نزل من الصفا فمشى حتى أتى الوادي فسعى فجعل يقول"رب اغفر وارحم إنك أنت الأعز الأكرم""، رواه ابن أبي شيبة، والطبراني في الدعاء، والبيهقي في السنن، وإسناده صحيح كما تقدم.
قال المؤلف:‹‹ ويشترط له - أي للسعي - نية ›› لأنه عبادة، فاشترطت له نية، ففي الصحيحين من حديث يحيى عن محمد بن إبراهيم التيمي عن علقمة عن عمر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:‹‹ إنما الأعمال بالنيات ›› فإذا لم ينوِ السعي فلا سعي له.
قال المؤلف:‹‹ وموالاة ›› أي وتشترط الموالاة، وهذا قول طائفة من أصحاب الإمام أحمد رحمه الله، ولكن ذكر في المغني:"بأن ظاهر كلام أحمد رحمه الله أن الموالاة غير مشترطةٍ فيه"، وقد رخص الإمام أحمد رحمه الله في السلام على من لقي والوقوف له؛ ومذهب الإمام الشافعي رحمه الله أن الموالاة بين السعي سنة ولا يضر الفصل ولو كان طويلًا؛ وهذا ظاهر مذهب أبي حنيفة رحمه الله، وفي ذلك قوة.