وقيل: إن السعي سنة وليس بواجب، وحينئذٍ لا يجب بتركه دم، فلو اقتصر على الطواف صحت عمرته وصح حجه، لأن السعي سنة وليس بواجب، وهذا مذهب ابن عباس رضي الله عنهما، وهو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله، بدليل قوله تعالى:‹‹ فلا جناح عليه أن يطوف بهما ››، ونفي الحرج عن فاعله دليل على عدم وجوبه، وإنما ثبتت بقوله:‹‹ من شعائر الله ››، وبفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذا على الاستحباب لا على الإيجاب، وفيه نظر، وقد أنكرت عائشة رضي الله عنها الاستدلال بهذه الآية على نفي وجوب السعي، جاء هذا في الصحيحين عنها وقالت:"قد سن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الطواف بينهما فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما".
والقول الثالث في المسألة: أنه واجب وليس بركن ويجبر بدم، وهذا مذهب أبي حنيفة رحمه الله، ورجحه في المغني، وقد روى ابن أبي شيبة في المصنف عن الحسن في الرجل يترك الصفا والمروة قال:"عليه دم"، وهكذا أفتى عطاء أيضًا، وحينئذٍ يتلخص لنا في حكم السعي ثلاث مذاهب:
المذهب الأول: أن السعي بين الصفا والمروة ركن من أركان العمرة والحج، فلا عمرة ولا حج لمن لم يسعى بين الصفا والمروة، وهذا مذهب الجمهور.
المذهب الثاني: أنه سنة، من فعله فقد أحسن ومن لا فلا حرج، وقد تقدم عزوهُ إلى ابن عباس رضي الله عنهما، رواه عنه ابن أبي شيبة في المصنف وغيره، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد رحمه الله.
المذهب الثالث: الإيجاب، فليس ركنًا يبطل الحج بتركه، وليس سنة يترخص بتركه دون الإثم، بل هو واجب، يجب عليه أداؤه فإن تركه جبره بدم، وهذا مذهب أبي حنيفة رحمه الله، واختار ذلك في المغني، ويحتمل أن يقال على هذا القول بأنه لا دم عليه، لأنه لم يثبت بذلك دم، فإذا قلنا بالوجوب فنقول يأثم ولا دم عليه، ولكن يبقى لو ترك شوطًا من ذلك وقد سافر إلى بلده هل يجب عليه الرجوع أم لا؟؟ إذا قلنا بأنه واجب فهذا واضح، يجبره بدم على رأي أبي حنيفة رحمه الله، وإذا قلنا بأنه سنة فهذا واضح، ترك سنة ولا إثم عليه، وإذا قلنا بأنه ركن فيقال: إن قدر على الرجوع ليأتي بما ترك فهذا هو المطلوب، وإن تعذر ذلك فيسقط عنه، وقد تم حجه وتمت عمرته، لأن القول بالركنية لا يقتضي ركنية كل شيء، فالقول بالركنية على وجه العموم، وقد تقدم قول أبي حنيفة رحمه الله في الطواف فيمن طاف أربعًا وترك ثلاثًا: أنه إن كان بمكة وجب عليه العود، وإن كان قد ذهب جبره بدم.