يقول المؤلف:‹‹ ويخرج إلى الصفا من بابه ›› أي بعد أن يصلي ركعتين ويستلم الحجر إذا تهيأ له ذلك ‹‹ يخرج إلى الصفا من بابه ›› أي باب الصفا ‹‹ ليسعى فيرقاه أي يرقى الصفا حتى يرى فيستقبله ›› وهذا العمل مستحب، فيستحب أن يرقى إلى الصفا، ويستحب أن يستقبل البيت إذا راءه وإلا فيستقبل جهته، والنبي - صلى الله عليه وسلم - استقبل البيت وقد قال الله تعالى:‹‹ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ››.
وفي صحيح مسلم من حديث جابر رضي الله عنه قال:"ثم خرج - صلى الله عليه وسلم - من الباب إلى الصفا فلما دنا من الصفا قرأ:‹‹ إن الصفا والمروة من شعائر الله ›› أبدأ بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا فرقي عليه حتى رأى البيت فاستقبل القبلة فوحد الله وكبره وقال:‹‹ لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ›› ثم دعا بين ذلك قال مثل هذا ثلاث مرات ثم نزل إلى المروة".
قوله في حديث جابر:"فلما دنا من الصفا قرأ:‹‹ إن الصفا والمروة ››"يحتمل سنية قراءة هذه الآية مطلقًا، ويحتمل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ على وجه التعليم ولهذا جهر بصوته كالمعلم للصحابة، بدليل أنه قال بعد ذلك:‹‹ أبدأ بما بدأ الله به ›› وهذا الأقرب، فإذا لم يكن معه أحد يعلمه فلا يستحب قراءة هذه الآية، وإذا كان معه من يجهل هذا الحكم فيقرأ هذه الآية بصوت جهوري بقدر ما يسمع من معه ثم يقول:‹‹ أبدأ بما بدأ الله به ››.
وقوله في الحديث:"فرقي عليه"- أي رقي على الصفا - وهذا على وجه الاستحباب فإن الصعود على الصفا سنة وليس بواجب.
وقوله:"حتى رأى البيت"وهذا سنة لمن قدر على ذلك، وإلا فيستقبل جهة البيت.
وقوله:"فاستقبل القبلة فوحد الله وكبره"وهذا أيضًا على وجه الاستحباب.
وقوله في الحديث:"ثم دعا بين ذلك قال مثل هذا ثلاث مرات"ظاهر هذه الرواية أنه وحد الله وكبره وقال ما تقدم ذكره:‹‹ لا إله إلا الله .... إلخ ›› ثم لما فرغ دعا، ثم أعاد التوحيد والتكبير ثم دعا، ثم أعاد التوحيد والتكبير ثم نزل، فيكون الذكر ثلاثًا والدعاء مرتين، وهذا الاستنتاج مأخوذ من قوله في الرواية:"ثم دعا بين ذلك"، ففيها دلالة قوية على أنه لم يكبر ثلاثًا متتابعات ولم يكن يذكر الشيء متتابعًا ثم يدعو بعده، وأنه كبر واحدة ووحد الله وقال ما ورد ثم بعد ذلك دعا، ثم أعاد الذكر ثم دعا، ثم أعاد الذكر ثم نزل.