قال المؤلف:‹‹ فيحاذي الحجر الأسود بكله - أي بكل بدنه - فيكون مبدأ طوافه ›› وهذا المشهور في المذهب، وهو قول الأكثر من أهل العلم أنه يجب أن يحاذي الحجر الأسود بكل بدنه، وقيل يجزئه المحاذاة ببعض البدن، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهو الصحيح، لأن الحكم يتعلق بالبدن فأجزئ البعض عن الكل، ولا اعتبار للخط الموجود في هذا العصر سواء حاذاه أو لم يحاذه فالاعتبار بمحاذاة الحجر الأسود وكل بحسبه وبه تبرئ ذمه المكلف، ولأن هذا الخط يؤدي إلى ازدحام الناس، ومخالفة المشروع الثابت في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي عهد الصحابة رضي الله عنهم وفي عهد الأئمة التابعين والأئمة المتبوعين، ولأن القاعدة تقول:"كل أمر انعقد سببه في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي عهد الصحابة رضي الله عنهم ولم يفعلوه مع إمكانية فعله فهو بدعة"وهذا الخط أمكن فعله في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يضع خطًا، فإن قيل: إن الجهل قد كثر والناس قد كثروا فيكاد لا يضبطون، فالجواب عن هذا من وجوه:
الوجه الأول: أن الجهل موجود في كل زمان، فكما أنه يوجد في هذا العصر فهو موجود أيضًا في العصر الأول والثاني والثالث، والدليل على هذا الأدلة المتواترة أن هذا يقول فعلت كذا وهذا يقول فعلت كذا وهذا يتطيب في الإحرام وهذا لم يأتي لعرفات إلا ليلًا وغير ذلك من الأشياء.
الوجه الثاني: أن البلاد الإسلامية اتسعت في عهد عمر، ودخل في الدين العرب والعجم والأعراب وغيرهم ممن يتصور وقوع الجهل منهم، ومع ذلك لم يخط أمير المؤمنين للناس خطًا.
الوجه الثالث: أن مفاسد هذا الخط أكثر من مصالحه، لوجود الزحام واعتقاد انه لا يجزئ إلا بمحاذاة الخط دون محاذاة الحجر وكل بحسبه، زيادة على هذا أن هذا الخط يؤدي إلى تلاصق الناس كالبنيان المرصوص عند محاذاته، حتى إنه أدى إلى تضام الرجال مع النساء بحيث يضم الرجل المرأة كأنه قد ضم زوجته نسأل الله السلامة والعافية.
الوجه الرابع: أنه وسيلة إلى عبادة، والوسيلة إذا انعقد سببها في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي عهد الصحابة رضي الله عنهم وأمكن فعلها ولم تفعل فهي بدعة.
الوجه الخامس: أن الأصل المشروع اعتبار الرؤية، ويكفي في ذلك غلبة الظن، فإذا غلب على ظن المكلف أنه قد حاذى برئت ذمته وإن كان في علم الله أنه لم يحاذِ، وحينئذٍ يتسع المطاف بالناس فهذا يتقدم متر وهذا يتأخر.
قال المؤلف:‹‹ ويستلمه - أي ويمسح الحجر يده اليمنى ›› وهذا على وجه الاستحباب لا على وجه الإيجاب، وقد جاء في صحيح مسلم عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر رضي الله عنه في صفة حج النبي - صلى الله عليه وسلم -