فهرس الكتاب

الصفحة 93 من 659

[إحكام الأحكام] فَإِنَّ طَهَارَةَ الْأَرْضِ عَامَّةٌ فِي حَقِّ كُلِّ الْأُمَمِ.

الْأَمْرُ الثَّانِي: اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ جَوَّزَ التَّيَمُّمَ بِجَمِيعِ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ"جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا"وَاَلَّذِينَ خَصُّوا التَّيَمُّمَ بِالتُّرَابِ: اسْتَدَلُّوا بِمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ"وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا"وَهَذَا خَاصُّ يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ الْعَامُّ وَتَخْتَصُّ الطَّهُورِيَّةُ بِالتُّرَابِ، وَاعْتُرِضَ عَلَى هَذَا بِوُجُوهٍ: مِنْهَا: مَنْعُ كَوْنِ التُّرْبَةِ مُرَادِفَةً لِلتُّرَابِ، وَادُّعِيَ أَنَّ تُرْبَةَ كُلِّ مَكَان: مَا فِيهِ مِنْ تُرَابٍ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا يُقَارِبُهُ.

وَمِنْهَا: أَنَّهُ مَفْهُومُ لَقَبٍ، أَعْنِي تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِالتُّرْبَةِ، وَمَفْهُومُ اللَّقَبِ: ضَعِيفٌ عِنْدَ أَرْبَابِ الْأُصُولِ، وَقَالُوا: لَمْ يَقُلْ بِهِ إلَّا الدَّقَّاقُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْ هَذَا: بِأَنَّ فِي الْحَدِيثِ قَرِينَةً زَائِدَةً عَنْ مُجَرَّدِ تَعْلِيقِ الْحُكْمِ بِالتُّرْبَةِ، وَهُوَ الِافْتِرَاقُ فِي اللَّفْظِ بَيْنَ جَعْلِهَا مَسْجِدًا، وَجَعْلِ تُرْبَتِهَا طَهُورًا عَلَى مَا فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ، وَهَذَا الِافْتِرَاقُ فِي هَذَا السِّيَاقِ قَدْ يَدُلُّ عَلَى الِافْتِرَاقِ فِي الْحُكْمِ، وَإِلَّا لَعُطِفَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ نَسَقًا، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ.

وَمِنْهَا: أَنَّ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ الَّذِي خُصَّتْ فِيهِ"التُّرْبَةُ"بِالطَّهُورِيَّةِ لَوْ سُلِّمَ أَنَّ مَفْهُومَهُ مَعْمُولٌ بِهِ، لَكَانَ الْحَدِيثُ الْآخَرُ بِمَنْطُوقِهِ يَدُلُّ عَلَى طَهُورِيَّةِ بَقِيَّةِ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ، أَعْنِي قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -"مَسْجِدًا وَطَهُورًا"فَإِذَا تَعَارَضَ فِي غَيْرِ التُّرَابِ دَلَالَةُ الْمَفْهُومِ الَّذِي يَقْتَضِي عَدَمَ طَهُورِيَّتِهِ، وَدَلَالَةُ الْمَنْطُوقِ الَّذِي يَقْتَضِي طُهُورِيَّتَهُ، فَالْمَنْطُوقُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَفْهُومِ، وَقَدْ قَالُوا: إنَّ الْمَفْهُومَ يُخَصِّصُ الْعُمُومَ، فَتَمْتَنِعُ هَذِهِ الْأَوْلَوِيَّةُ، إذَا سَلِمَ الْمَفْهُومُ هَهُنَا، وَقَدْ أَشَارَ بَعْضُهُمْ إلَى خِلَافِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ، أَعْنِي تَخْصِيصَ الْعُمُومِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت