166 -الْحَدِيثُ الْحَادِيَ عَشَرَ: عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَ: «لَمَّا اشْتَكَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَكَرَ بَعْضُ نِسَائِهِ كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، يُقَالُ لَهَا: مَارِيَةُ - وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَأُمُّ حَبِيبَةَ أَتَتَا أَرْضَ الْحَبَشَةِ - فَذَكَرَتَا مِنْ حُسْنِهَا وَتَصَاوِيرَ فِيهَا، فَرَفَعَ رَأْسَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ: أُولَئِكَ إذَا مَاتَ فِيهِمْ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، ثُمَّ صَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ.»
[إحكام الأحكام] [حَدِيثُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَرِيءٌ مِنْ الصَّالِقَةِ وَالْحَالِقَةِ وَالشَّاقَّةِ]
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -"الصَّالِقَةُ"الَّتِي تَرْفَعُ صَوْتَهَا عِنْدَ الْمُصِيبَةِ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ هَذِهِ الْأَفْعَالِ. وَالْأَصْلُ"السَّالِقَةُ"بِالسِّينِ، وَهُوَ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالْعَوِيلِ وَالنَّدْبِ. وَقَرِيبٌ مِنْهُ: قَوْله تَعَالَى {سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ} [الأحزاب: 19] وَالصَّادُ قَدْ تُبَدَّلُ مِنْ السِّينِ.
وَ"الْحَالِقَةُ"حَالِقَةُ الشَّعْرِ. وَفِي مَعْنَاهُ: قَطْعُهُ مِنْ غَيْرِ حَلْقٍ. وَ"الشَّاقَّةُ"شَاقَّةُ الْجَيْبِ. وَكُلُّ هَذِهِ الْأَفْعَالِ مُشْعِرٌ بِعَدَمِ الرِّضَى بِالْقَضَاءِ، وَالتَّسَخُّطِ لَهُ. فَامْتَنَعَتْ لِذَلِكَ.
[حَدِيثُ لَمَّا اشْتَكَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ بَعْض نِسَائِهِ كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا]
فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ مِثْلِ هَذَا الْفِعْلِ. وَقَدْ تَظَاهَرَتْ دَلَائِلُ الشَّرِيعَةِ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ التَّصْوِيرِ وَالصُّوَرِ.
وَلَقَدْ أَبْعَدَ غَايَةَ الْبُعْدِ مَنْ قَالَ: إنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى الْكَرَاهَةِ، وَإِنَّ هَذَا التَّشْدِيدَ كَانَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، لِقُرْبِ عَهْدِ النَّاسِ بِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ. وَهَذَا الزَّمَانُ حَيْثُ انْتَشَرَ الْإِسْلَامُ وَتَمَهَّدَتْ قَوَاعِدُهُ - لَا يُسَاوِيهِ فِي هَذَا الْمَعْنَى. فَلَا يُسَاوِيهِ فِي هَذَا التَّشْدِيدِ - هَذَا أَوْ مَعْنَاهُ - وَهَذَا الْقَوْلُ عِنْدَنَا بَاطِلٌ قَطْعًا. لِأَنَّهُ قَدْ وَرَدَ فِي الْأَحَادِيثِ: الْإِخْبَارُ عَنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ بِعَذَابِ الْمُصَوِّرِينَ. وَأَنَّهُمْ يُقَالُ لَهُمْ"أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ"وَهَذِهِ عِلَّةٌ مُخَالِفَةٌ لِمَا قَالَهُ هَذَا الْقَائِلُ وَقَدْ صُرِّحَ بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الْمُشَبِّهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ» وَهَذِهِ عِلَّةٌ عَامَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ مُنَاسِبَةٌ. لَا تَخُصُّ