[إحكام الأحكام] وَقَوْلُهُ"أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -"الْأَصْلُ: أَنْ يَتَعَدَّى"أَهْدَى"بِإِلَى، وَقَدْ يَتَعَدَّى بِاللَّامِ، وَيَكُونُ بِمَعْنَاهُ. وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ اللَّامُ بِمَعْنَى"أَجْلِ"وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَقَوْلُهُ حِمَارًا وَحْشِيًّا"ظَاهِرُهُ: أَنَّهُ أَهْدَاهُ بِجُمْلَتِهِ وَحُمِلَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ حَيًّا. وَعَلَيْهِ يَدُلُّ تَبْوِيبُ الْبُخَارِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَقِيلَ: إنَّهُ تَأْوِيلُ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ وَعَلَى مُقْتَضَاهُ: يُسْتَدَلُّ بِالْحَدِيثِ عَلَى مَنْعِ وَضْعِ الْمُحْرِمِ يَدَهُ عَلَى الصَّيْدِ بِطَرِيقِ التَّمَلُّكِ بِالْهَدِيَّةِ، وَيُقَاسُ عَلَيْهَا: مَا فِي مَعْنَاهَا مِنْ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ، إلَّا أَنَّهُ رُدَّ هَذَا التَّأْوِيلُ بِالرِّوَايَاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ عَنْ مُسْلِمٍ، مِنْ قَوْلِهِ"عَجُزَ حِمَارٍ، أَوْ شِقَّ حِمَارٍ، أَوْ رِجْلَ حِمَارٍ"فَإِنَّهَا قَوِيَّةُ الدَّلَالَةِ عَلَى كَوْنِ الْمُهْدَى بَعْضًا وَغَيْرَ حَيٍّ. فَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ"حِمَارًا وَحْشِيًّا"الْمَجَازَ. وَتَسْمِيَةَ الْبَعْضِ بِاسْمِ الْكُلِّ، أَوْ فِيهِ حَذْفُ مُضَافٍ، وَلَا تَبْقَى فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ تَمَلُّكِ الصَّيْدِ بِالْهِبَةِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ."
وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -"إنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إلَّا أَنَّا حُرُمٌ"."إنَّا"الْأُولَى مَكْسُورَةُ الْهَمْزَةِ؛ لِأَنَّهَا ابْتِدَائِيَّةٌ. وَالثَّانِيَةُ مَفْتُوحَةٌ؛ لِأَنَّهَا حُذِفَ مِنْهَا اللَّامُ الَّتِي لِلتَّعْلِيلِ. وَأَصْلُهُ: إلَّا لِأَنَّا.
وَقَوْلُهُ"لَمْ نَرُدَّهُ"الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ: فِيهِ فَتْحُ الدَّالِ. وَهُوَ خِلَافُ مَذْهَبِ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ النُّحَاةِ، وَمُقْتَضَى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ. وَهُمْ ضَمُّ الدَّالِ. وَذَلِكَ فِي كُلِّ مُضَاعَفٍ مَجْزُومٍ، أَوْ مَوْقُوفٍ، اتَّصَلَ بِهِ هَاءُ ضَمِيرِ الْمُذَكَّرِ. وَذَلِكَ مُعَلَّلٌ عِنْدَهُمْ بِأَنَّ الْهَاءَ حَرْفٌ خَفِيٌّ، فَكَأَنَّ الْوَاوَ تَالِيَةٌ لِلدَّالِ، لِعَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِالْهَاءِ، وَمَا قَبْلَ الْوَاوِ: يُضَمُّ. وَعَبَّرُوا عَنْ ضَمَّتِهَا بِالِاتِّبَاعِ لِمَا بَعْدَهَا. وَهَذَا بِخِلَافِ ضَمِيرِ الْمُؤَنَّثِ إذَا اتَّصَلَ بِالْمُضَاعَفِ الْمُشَدَّدِ. فَإِنَّهُ يُفْتَحُ بِاتِّفَاقٍ. وَحُكِيَ فِي مِثْلِ هَذَا الْأَوَّلِ الْمَوْقُوفِ لُغَتَانِ أُخْرَيَانِ. إحْدَاهُمَا: الْفَتْحُ، كَمَا يَقُولُ الْمُحَدِّثُونَ. وَالثَّانِيَةُ: الْكَسْرُ. وَأُنْشِدَ فِيهِ:
قَالَ أَبُو لَيْلَى لِحُبْلَى مُدِّهِ ... حَتَّى إذَا مَدَدْتِهِ فَشُدِّهْ
إنَّ أَبَا لَيْلَى نَسِيجُ وَحْدِهِ
.وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -"إلَّا أَنَّا حُرُمٌ"يُتَمَسَّكُ بِهِ فِي مَنْعِ أَكْلِ الْمُحْرِمِ لَحْمَ الصَّيْدِ مُطْلَقًا فَإِنَّهُ عَلَّلَ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ الْإِحْرَامِ. وَاَلَّذِينَ أَبَاحُوا أَكْلَهُ: لَا يَكُونُ مُجَرَّدُ