والمرجحات الحديثية ،وهو نموذج لازدواجية المنهج
في قسمي علوم الحديث: النظري والتطبيقي
... وكأني أرى الشيخ العثماني ( رحمه الله ) قد وقع في خلط بين وظيفة الاستنباط من معاني المتون وبين وظيفة النقد في الحديث سندًا ومتنًا ؛ فجعل المرجحات المتعلقة بالإستنباط الفقهي هي ذاتها لمعرفة صحة الروايات المختلفة ، وفي الواقع أن كلًا منهما يستقل عن الآخر بالمرجحات والقرائن ، وإن كان رفع التعارض يتم بمرجحات خاصة فإن معرفة ثبوت الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم تتوقف على قرائن أخرى تخدم ذلك .
... أما فيما يخص الأول - وهو وظيفة الاستنباط من المتون - فلا ينازع أحد على أن الفقهاء هم أهل التخصص في أداء هذه الوظيفة الاجتهادية . وأم الثاني فمن لب اختصاص المحدثين النقاد ، على أن المحدثين النقاد في عصور الرواية هم أهل الاجتهاد والنقد . ومن المحدث الذي أحال الاجتهاد على الفقهاء ، أهو الإمام أحمد ؟! أم الشافعي ؟! أم مالك ؟! أم سفيان؟! وما حدث في مرحلة ما بعد الرواية من انفصال العلوم بعضها عن بعض لا يقاس عليه ما كان عليه الأوائل من النقاد من الجمع بين العلوم الشرعية ، فإنهم يشكلون بأنفسهم مدرسة في الحديث والفقه توازي مدرسة أهل الرأي .
... وعلى كل حال فإن المحدثين النقاد لم يعدو أحفظية الراوي وأوثقيته قرينة مطردة أبدية ، كما لم يعدوا عدد الرواة أيضًا قرينة مطردة ،وكانت القرائن لمعرفة الراجح والثابت غير محصورة عندهم بضابط معين ، بل لكل حديث قرينة خاصة ،ولا يعرفها إلا من تخصص في هذه الفن ، وحصل على ملكة وذوق حديثي ، وليس من منهجهم النظر في أحوال الرواة ومراتبهم للحكم على الحديث كما أوضحنا غير مرة .
... وههنا لفتة علمية أخرى ، وهي أن الشيخ شبير ( رحمة الله عليه ) ذكر أن المرجحات تزيد على مئة وجه ، وفي الواقع أن كثيرًا من هذه المرجحات لا يمكن تطبيقها إلا في رفع التعارض بين الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وأما في معرفة ثبوت الحديث عنه صلى الله عليه وسلم وصحته عند اختلاف رواة الحديث على شيخهم ، فتطبيقها عديم الجدوى ، بل مخالف للحق والصواب .
... وأذكر هنا سريعًا مثالين لذلك ، وهما تعارض الحديثين ، أحدهما قول ، والثاني فعل بخلافه ، وطريقة الفقهاء والأصوليين في رفع هذا التعارض معروفة وسهلة ، وهي أن القول يقدم على الفعل ، أو أنه لا تعارض بينهما أصلًا ، لأن الفعل قد يكون من خصوصية النبي صلى الله عليه وسلم ، كما تقرر في الأصول أن فعله صلى الله عليه وسلم لا يعارض قوله الخاص بالأمة ، وهكذا .
... وهذا كما ترى مرجح لا يصلح تطبيقه إلا لرفع التعارض بين الحديثين الصحيحين الثابتين عن النبي صلى الله عليه وسلم وأما تطبيقه في رفع الاختلاف بين الرواة ، ومعرفة ما هو القول الثابت عن شيخهم فلا ، وذلك إذا رجحنا الرواية التي فيها القول باعتبار كونه قولًا ، أو وفق بينها بالتحويز العقلي ، كنا قد أَضفنا إلى شيخهم ما لم يقله ، أو ما لم يتحقق أنه قاله ، أو إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يقله ، أو ما لم يتحقق قوله ،ومن المعلوم لدى الجميع أنه لا يلزم من كون إحدى الروايات قولًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قاله بالضرورة .
... والمثال الثاني تعارض الحديثين ، أحدهما نهي والثاني يدل على الجواز ، وعلى طريقة علماء الفقه والأصول يتم رفع هذا التعارض بترجيح النهي لكونه مقتضيًا للحظر ، وهو مرجح مستقل . وهذا أيضًا لا يصلح تطبيقه إلا إذا علمنا أنه ثبت كلا الحديثين عن النبي صلى الله عليه وسلم ،وأما توظيفه في معرفة ماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم من هذه الحديثين الذي اختلف فيهما الرواة فخروج من المنهج السليم ، وذلك لأنه لا يلزم من كونه نهيًا مقتضيًا للحظر أنه صلى الله عليه وسلم قد قاله ، لاحتمال قوي أن الراوي قد فهم من الحديث الذي سمعه من شيخه هذا النهي ؛ فرواه بالمعنى الذي بادر إلى الذهن ، وإذا علمنا ذلك من خلال القرائن المحيطة بروايته فإنه لا يبقى في الحديث مجال للتعارض أصلًا ، وهذه القرائن لا تنحصر في أوثقية الراوي ولا في عدد الرواة ، وإنما هي محصورة ، ولا يعرفها إلا نقاد الحديث ، كما سبق .
... وما يتعلق بالمرجحات يشكل نموذجًا واضحًا للخلط بين المناهج المختلفة وازدواجيتها في مسائل علوم الحديث عمومًا ، وذلك أمر طبيعي جدًا ، لأن معظم المؤلفين في كتب المصطلح ، هم من علماء الفقه أو من علماء الأصول ، أو من علماء التاريخ ، وإن كانوا منشغلين بالحديث وعرفوا بلقب المحدثين والحفاظ ، لكن طابع الفقه والأصول والتاريخ هو البارز في عملهم ، وبالتالي يكون من المألوف جدًا أنهم يذكرون المرجحات من غير تمييز بين ما يعتمدونه وبين ما يعتمده المحدثون (1) .
... ومن الآثار السلبية لهذا الخلط تصحيح ما روي في ترك رفع اليدين من الأحاديث التي حكم عليها النقاد ببطلانها في ضوء القرائن ، كما هو جلي في مناقشة الشيخ عبد الفتاح وما نقله عن سابقيه من النصوص ، وذلك لأنهم يقومون بالجمع بين الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم في رفع اليدين في الصلاة ، وبين الأحاديث المعلولة المخالفة لتلك الأحاديث الصحيحة بحملهم أن النبي صلى الله عليه وسلم يرفع اليدين مرة ،ويتركه في أخرى على التجويز العقلي ، وكأنهم يذهبون إلى أن ما يمكن جمعه من الأحاديث صحيح وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد قاله وعلينا العمل به !! إلا إذا كان راويه متروكًا أو ضعيفًا متفقًا على ضعفه ، كما سبق ذلك نصًا لأبي الحسن الأندلسي ، وهذا ما نقله ابن دقيق العيد من منهج أئمة الفقه والأصول .
... ولذلك فإن محتوى الفقرة السادسة والسابعة من كلام الشيخ شبير السابق نقله يصبح غير مقبول منهجيًا وواقعيًا ، والفقهاء هم أشد حاجة إلى من يصحح لهم الأحاديث ليتم استنباط المسائل الفقهية منها بوجه صحيح . وأما إطلاق العنان في مجال التصحيح دون دراية لقواعده ثم مواصلة الاستنباط مما صححوه فهذا يؤدي بدون شك إلى إضفاء الشرعية على أمور تتبرأ عنها السنة عمومًا .
... وأما الفقرة الثانية فمناقشتها سبقت آنفًا .
... وأما الفقرة الثالثة فلا يشك أحد أن الفقهاء هم أعلم بمعاني الأحاديث ، ولسنا بصدد بيانها ومناقشتها ، وإنما في مناسبة البحث في كيفية معرفة كيف يعرف صحة الحديث وضعفه .وأما ما ذكره ابن حبان فلا يكون مثالًا لتقديم الفقهاء على المحدثين عمومًا ، إذ سبب علو السند هو كون رواته حفاظًا وفقهاء ، يعني كونهم قد جمعوا بين الفقه والحديث ،وهذا مقدم على من ليس كذلك باتفاق المحدثين .
... وما ورد في الفقرة الرابعة من تعذر الجمع في الشاذ إنما هو على طريقة المحدثين ، وليس على طريقة الفقهاء وعلماء الأصول ( رحمهم الله تعالى جميعًا ) المتمثلة في التجويز العقلي (2) .
... ثم إن قول الحافظ ابن حجر في الشاذ معروف لدى الجميع ، نقل عنه السخاوي في فتح المغيث (3) أنه قال:"فإن خولف - أي الراوي - بأرجح منه لمزيد ضبط أو كثرة عدد أو غير ذلك من وجوه الترجيحات فالراجح يقال له المحفوظ ومقابلة المرجوح ويقال له الشاذ ، والله أعلم".
... وقول الحافظ ابن حجر:"لمزيد ضبط أو كثرة عدد أو غير ذلك من وجوه الترجيحات"دليل على أن الحافظ لم يجعل القرائن والمرجحات محصورة على الأوثقية والعدد .
... وقال الحافظ أيضًا:"أما المخالفة وينشأ عنها الشذوذ والنكارة فإذا روى الضابط أوالصدوق شيئًا فرواه من هو أحفظ منه أو أكثر عدد بخلاف ما روى بحيث يتعذر الجمع على قواعد المحدثين فهذا شاذ" (4) . ولم يقل"بحيث يتعذر الجمع"فقط ، وإنما قيده بقوله:"على طريقة المحدثين"، وطريقة المحدثين في ذلك كما سبق بيانه في نصوص الأئمة السابق نقلها آنفًا . وبالتالي فما أمكن الجمع على طريقة أئمة الفقه والأصول ، فلا يلزم منه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد قاله .
... وأما طريقة المحدثين فهي تتبع القرائن والملابسات ؛ فإن دلت على رجحان رواية صححوها ،وحكموا عليها بالصحة ، وإن أجاز العقل عكس ذلك ،ومن الجدير بالذكر أن الذي تدل عليه القرائن يكون على متفاوت القوة ؛ ففيه ما يفيد الناقد يقينًا وجزمًا وقطعًا ،وفيه ما دون ذلك ، وعدم شعورنا بشيء من ذلك لا يؤثر فيما وصل إليه النقاد سلبًا ولا إيجابًا .
... وأما ما ذكره الشيخ من أن الفقهاء هم الميسرون للجمع بين المتون إنما ذلك لرفع التعارض بين الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وأما معرفة من المصيب ومن المخطئ في نقل الحديث حين اختلف الرواة على شيخهم فالمحدثون النقاد هم أدرى بذلك ، كما سبق تفصيله آنفًا .
... ومحتوى الفقرة السادسة سبق الجواب عنه في مناقشة فقرة رقم 1، لكن الملاحظ: أن الفقرة الأولى كانت في حصر القرائن في أمرين ، مؤكدة بقوله"فقط"،وأما في هذه الفقرة فأضاف إليهما شيئًا آخر مبهمًا بقوله:"ونحوهما"وهذا أمر جميل ؛ لإفادته بعدم حصر القرائن في الآمرين المذكورين ، لكن لم ينل هذه الكلمة حظها من اهتمام الشيخ لدى المناقشة .
... وفي ضوء ما سبق فقول الشيخ عبد الفتاح وغيره بصحة حديث عبد الله بن عون الخراز ، قول غير سليم منهجيًا وواقعيًا ، وكذا ما جمعه من الروايات باعتبارها شواهد أساسه فيها أن الراوي ليس متروكًا ، وهذا منه عمل غير علمي ، لأنها جميعًا مما تفرد به الضعفاء مخالفين ما ثبت لدى الثقات رواية وعملًا .
... ولعلي بهذا القدر قد غطيت الجانب المهم في مناقشة الشيخ عبد الفتاح (رحمه الله تعالى ) ، وأما كثير من القضايا الجزئية التي أثارها الشيخ عبد الفتاح من خلال نصوص أكثر من نقلها ، فإني أكتفي فيها بالجواب العام الذي يفهم من المناقشة السابقة ، خوفًا مني أن يتيه القارئ في دوامة النزاع العقيم الذي لا يثيره سوى شبهات وتخمينات ، ومن المعلوم أن طرف الحوار إذا لم يقر بأن هذا هو المنهج الحقيقي للمحدثين ، وبضرورة الاعتماد عليه في معرفة الصواب والخطأ في الأحاديث فإن الحوار لن يؤتي أكله . والله المستعان .
... ويتجلى للقارئ بوضوح - بهذا المثال كغيره - تباين المنهج في التصحيح والتضعيف بين نقاد الحديث وبين متأخري علماء الفقه والأصول ومن سار نهجهم من المحدثين ، وأن منهج المحدثين النقاد في ذلك هو وحده المعول عليه ، وأنه من الخطأ الواضح الخلط بين مناهجهم المتباينة في التصحيح والتضعيف ، ثم إسناده إلى نقاد الحديث . والله أعلم .
(1) يمكن القول إن هذه المرجحات التي تناولها علماء الفقه والأصول تنقسم إلى ثلاثة أقسام عمومًا ، القسم الأول: خاص بترجيح الروايات المختلفة ،والقسم الثاني: خاص برفع التعارض عن الأحاديث الثابتة ، والقسم الأخير: مشترك بينهما . وهذا موضوع جدير بالبحث ، وكان هذا أحد الأبحاث التي كنت أهتم بها منذ فترة طويلة . والله المستعان .
(2) المغيث 1/274 ( ط: سنة 1407هـ إدارة البحوث الإسلامية بالجامعة السلفية ببنارس ) .
(3) فتح المغيث - في مبحث الشاذ - 1/185 .
(4) المصدر السابق في الفصل التاسع ص: 549 .