تفكرت في مبدأ خلقك وصورتك لعلمت أن الذي خلقك أقدر على أن يعيدك بعد موتك وينشئك خلقًا جديدًا ، وأن ذلك لو أعجزه لأعجزه وأعياه خلقك الأول ، وأيضًا فإن الذي كمَّل خلقك في أحسن تقويم ، بعد أن كنت نطفة من ماء مهين ، كيف يليق به أن يتركك سدى ، لا يكمل ذلك بالأمر والنهي وبيان ما ينفعك ويضرك ولا تنقل لدار هي أكمل من هذه ويجعل هذه الدار طريقًا لك إليها ، فحكمة أحكم الحاكمين تأبى ذلك وتقضي خلافه ..." [1] ."
وقال ابن عاشور:"و ( ما ) يجوز أن تكون استفهامية ، والاستفهام"
توبيخي ، والخطاب للإنسان المذكور في قوله: ، فإنه بعد أن استثنى منه الذين آمنوا بقي الإنسان المكذب ، وضمير الخطاب التفات ، ومقتضى الظاهر أن يقال: فما يكذبه ، ونكتة الالتفات هنا أنه أصرح في مواجهة الإنسان المكذب بالتوبيخ ، ومعنى يجعلك مُكذبًا ، أي: لا عذر لك في تكذيبك بالدين" [2] ."
القول الثالث: أن الخطاب للرسول - صلى الله عليه وسلم - والمعنى استيقِنْ بعدما جاءك من الله البيان أن الله أحكم الحاكمين ، ونُسب [3] لقتادة ، حيث قال عند هذه الآية:"استيقن ..." [4] .
وهذا ليس فيه تصريح بأن المراد النبي - صلى الله عليه وسلم - ، بل يحتمل أن مراده بذلك أنه خطاب للإنسان كما ذكر شيخ الإسلام ، وتقدم ذكر كلامه حول هذا الأثر ، وأنه إن أُريد به الإنسان ، فهو صحيح ، وإن أُريد به الرسول - صلى الله عليه وسلم - فهو فاسد لفظًا ومعنى .
ولذلك ينبغي اطِّراح هذا القول ، ما دام أنه لا تصح نسبته لقتادة ، ولم يثبت عن أحد من السلف لا سيما وأن معناه باطل .
والراجح - والله أعلم - القول الثاني ، وأن المراد بذلك الإنسان لوروده عن بعض السلف ، ولدلالة السياق عليه .
(1) التبيان ص31 .
(2) تفسيره 30/430 .
(3) نسبه إليه ابن جرير 12/642 ، فهمًا منه لأثره .
(4) أخرجه ابن جرير 24/524 [ ط التركي ] .