ثم ذكر بعض الأحاديث الواردة في ذلك ، ثم قال:"مع أن تفسير قوله: أي: فرغت من الصلاة قول ضعيف ؛ فإن قوله: ( إذا فرغت ) مطلق ، ولأن الفارغ إن أريد به الفارغ من العبادة فالدعاء أيضا عبادة ، وإن أريد به الفراغ من أشغال الدنيا بالصلاة فليس كذلك ، يوضح ذلك أنه لا نزاع بين المسلمين أن الصلاة يدعى فيها كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعو فيها ... فإذا كان الدعاء مشروعًا في الصلاة لا سيما في آخرها فكيف يقول: إذا فرغت من الصلاة فانصب في الدعاء ، والذي فرغ منه هو نظير الذي أمر به ، فهو في الصلاة كان ناصبًا في الدعاء ، لا فارغًا ."
ثم إنه لم يقل مسلم إن الدعاء بعد الخروج من الصلاة يكون أوكد وأقوى منه في الصلاة ثم لو كان قوله: في الدعاء لم يحتج إلى قوله: فإنه قد علم أن الدعاء إنما يكون لله ، فعلم أنه أمره بشيئين: أن يجتهد في العبادة عند فراغه من أشغاله ، وأن تكون رغبته إلى ربه لا إلى غيره ؛ كما في قوله: [1] ، فقوله: موافق لقوله: ، وقوله: موافق لقوله: ومثله قوله: [2] ، وذلك أن دعاء الله المذكور في القرآن نوعان: دعاء عبادة ودعاء مسألة ورغبة فقوله: يجمع نوعي دعاء الله قال تعالى: [3] ، وقال تعالى: الآية [4] ، ونظائره كثيرة" [5] ."
الدراسة:
معنى ( انْصَبْ ) اِدْأَب في العمل ، من النَّصب ، والنَّصب: التعب ، والدؤوب في العمل [6] .
واختلف المفسرون في معنى الآية على أقوال:
القول الأول: فإذا فرغت من أمر دنياك فانصب في عمل آخرتك .
(1) سورة الفاتحة: الآية 5 .
(2) سورة هود: الآية 123 .
(3) سورة الجن: الآية 19 .
(4) سورة المؤمنون: الآية 117 .
(5) مجموع الفتاوى 22/495 - 498 ، وانظر: الفتاوى الكبرى 1/163 - 165 .
(6) زاد المسير 8/273 ، وانظر: تفسير ابن عطية 16/327 ، ومختار الصحاح ص288 ، مادة (نصب) .