قال ابن عاشور عند هذه الآية:"تذييل للمنهيات المتقدمة ، وهو تعريض قوي بأن ما نهوا عنه فسوق وظلم ؛ إذ لا مناسبة بين مدلول هذه الجملة وبين الجمل التي قبلها لولا معنى التعريض بأن ذلك فسوق ، وذلك مذموم معاقب عليه ، فدل قوله: على أن ما نهوا عنه مذموم ؛ لأنه فسوق يعاقب عليه ، ولا تزيله إلا التوبة ، فوقع إيجاز بحذف جملتين في الكلام اكتفاءً بما دلّ عليه التذييل ، وهذا دال على أن اللمز والتنابز معصيتان ؛ لأنهما فسوق ، وفي الحديث:"سباب المسلم فسوق" [1] ."
القول الثاني: أن المعنى: أن تُسَمِّيَهُ كافرًا أو فاسقًا وقد آمن ؛ وبه قال ابن زيد [2] ، والحسن [3] ، ومحمد بن كعب القرظي [4] ، واختاره الزجاج [5] ، والسمعاني [6] ، والواحدي [7] .
وقد ناقش شيخ الإسلام - كما تقدم - هذا القول من وجهين:
1 -أن الصحابة - رضي الله عنهم - ما كانوا يقولون: فاسق كافر ، بل كان بعضهم يلقِّب بعضًا [8] .
2 -أن اسم الكفر واليهودية والزنى ليست هي اسم الفاسق ؛ فإن تسميته كافرًا أعظم .
والقول الأول أظهر ؛ لدلالة الحديث عليه ، ولعل القول الثاني داخل في عمومه ؛ فإن تسمية المسلم كافرًا أو فاسقًا من السخرية به .
سورة الحجرات: الآية 14
قال تعالى:
(1) التحرير والتنوير 26/249 .
(2) أخرجه ابن جرير 11/393 .
(3) ذكره السيوطي في الدر المنثور 7/564 ، وعزاه لعبد بن حميد .
(4) ذكره السيوطي في الدر المنثور 7/563 ، وعزاه لعبد بن حميد .
(5) معاني القرآن 5/36 .
(6) تفسيره 5/224 .
(7) الوسيط 4/155 .
(8) أخرج ابن جرير في تفسيره 11/391 عن أبي جبيرة بن الضحاك قال:"فينا نزلت هذه الآية في بني سلمة ، قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما منا رجل إلا وله اسمان أو ثلاثة ، فكان إذا دعا الرجل بالاسم ، قلنا: يا رسول الله إنه يغضب من هذا ، فنَزلت هذه الآية".