القول الثالث: أن هذه الآية نزلت قبل أن يؤمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالقتال ، ثم نسخت بقوله تعالى: [1] ؛ وهذا قول قتادة [2] ، فلا يقبل منهم إلا الإسلام أو الجزية أو السيف .
والراجح - والله تعالى أعلم - هو القول الأول ، وهو أن الآية محكمة غير منسوخة لعدم الدليل على نسخها ، وأن المراد بالذين ظلموا هم أهل الحرب ، واختاره ابن جرير [3] ، والنحاس [4] .
قال ابن جرير:"وأولى هذه الأقوال بالصواب ، قول من قال: عني بقوله: إلا الذين امتنعوا عن أداء الجزية ، ونصبوا دونها الحرب ... وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال فيه بالصواب ؛ لأن الله تعالى ذكره أذن للمؤمنين بجدال ظلمة أهل الكتاب بغير الذي هو أحسن ، بقوله: فمعلوم إذ كان قد أذن لهم في جدالهم أن الذين لم يؤذن لهم في جدالهم إلا بالتي هي أحسن غير الذين أذن لهم بذلك فيهم ، وأنهم غير المؤمن ؛ لأن المؤمن منهم غير جائز جداله إلا في غير الحق ؛ لأنه إذا جاء بغير الحق فقد صار في معنى الظلمة في الذين خالف فيه الحق ، فإذا كان تبين ألا معنى لقول من قال: عنى بقوله: أهل الإيمان منهم ، وكذلك لا معنى لقول من قال: أنزلت هذه الآية قبل الأمر بالقتال وزعم أنها منسوخة ؛ لأنه لا خبر بذلك يقطع العذر ، ولا دلالة على صحته من فطرة عقل ."
وقد بينّا في غير موضع من كتابنا أنه لا يجوز أن يحكم على حكم الله في كتابه بأنه منسوخ إلا بحجة يجب التسليم لها من خبر أو عقل" [5] ."
وقال النحاس:"وقول مجاهد حسن لأن أحكام الله - عز وجل - لا يقال فيها إنها منسوخة إلا بخبر يقطع العذر أو حجة من معقول" [6] .
(1) سورة التوبة: الآية 29 .
(2) تفسير ابن جرير 10/150 ، وابن أبي حاتم 9/368 ، واختاره الزجاج 4/170 ، وابن عطية 12/229 ، وابن جزي 2/160 .
(3) تفسيره 10/150 .
(4) الناسخ والمسوخ 2/577 .
(5) تفسير ابن جرير 10/150 .
(6) الناسخ والمنسوخ للنحاس 2/577 .