أما تتفكرونَ في سيرِ مَنْ مَضَى من الكِرام كانوا يجتهدونَ في العبادةِ غَايةَ الاجتهادِ، ويتجنبونَ الشُّرورَ والفسادَ والأثام، كانوا لا يخافونَ في اللهِ لومةَ لائمٍ ولا يداهنونَ في أوامر الملكِ الدائمِ القيَّام، صرَّفوا أعمارَهم في اتباعِ الشَّرائِع، ونَقَوْا أرواحهم وأبدانَهم من القبائِحِ العِظامِ، وتقربوا إلى اللهِ بِكثرةِ الأورادِ والأذكارِ، ولازموا كَثرةَ النَّوافِلِ والسُّننِ تَقَرُّبًا إلى العزيزِ العَلاَّم، وأمسكوا ألسنتَهم عن الغيبةِ والنمِيمةِ والكِذبِ والخصومةِ وسائِرِ المُهْلِكاتِ الجِسَامِ، وبالغوا في تصفيةِ قُلُوبِهم من البُغْضِ، والحسدِ، والحِرصِ، والحِقدِ، والعُجْبِ، والكِبرِ وحبِّ الجاهِ، والفخرِ، وسائِرِ الموبقاتِ العِظام، فَفازوا بالمراتبِ العليا، ونالوا الفضائلِ القِصْوَى، واستحقوا دارَ السَّلام، فَطُوبى لهم، وبُشْرَى لمن تَبِعَهم بالسَّلامةِ من الآلام، فوا عَجَبًَا، منكُم تنتسبون إليهم وَتدَّعُونَ أنَّكُم منهم، ولا تَتَّبِعُوونَ طُرَقَهُم، ولا تَسْلِكونَ هديهم، وتخالفونهم سائر اللَّيالي والأيامِ، أما سَمِعتم قولَ نبيِّنا صلَّى عَلَيهِ وَسَلَّمَ ربُّهُ: (مَنْ بَطَأ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعُ بِهِ نَسَبُهُ) (1) .
أما علمتُم أنَّ مجردَ الانتسابِ إلى أصحابِ المراتبِ العليةِ لا يفيدُ يومَ التِّحسر والآلآمِ، فَتَنبَّهوا مِن نَومِ الغفلةِت، واخشوا يومَ المحاسبةِ والانتقامِ، واستغفروا ربَّكُم في خلواتِكُم وجَلواتِكم مِنَ الذُّنُوبِ والآثام.
(1) رواه مسلم في صحيحه (4: 2074) برقم (2699) . وأبو داود في سننه (3: 317) برقم (3643) . والترمذي في سننه (5: 195) برقم (2945) . وابن ماجه في سننه (1: 82) برقم (225) . والدارمي في سننه (1: 111) برقم (345) . وابن حبان في صحيحه بترتيب ابن بلبان (1: 284) برقم (84) . والحاكم في المستدرك (1: 165) برقم (239) .