فيا أيُّها النَّاسُ؛ اعبدوا ربَّكُم ووَحِّدُوهُ؛ فَإنَّ التَّوحِيدَ رأس الطَّاعَاتِ، ولا تُشرِكُوا بِه شَيْئًا؛ فإنَّ الشِّركَ مِن أعظمِ البليِّاتِ، واجتنبوا السُّمْعَةَ والرِّيَاءَ؛ فإنَّ الرِّيَاءَ شِركٌ خَفيٌ وهو مُبطِلٌ للإعمالِ الصَّالِحَاتِ، وعليكُم بإقامةِ الأركانِ، وحفِظِ القلبِ وَاللسَانِ مِنَ الذُّنُوبِ المهُلِكَاتِ.
وإيَّاكُم ثم إيَّاكُم مِن ارتكاب البِدعَاتِ؛ فإنَّ كُلُّ بِدعةٍ ضَلاَلَةٍ، وكُلَّ ضَلاَلَةٍ تَهوِى بِصَاحِبِها إلى أسفل الدَّرَكَاتِ، والعَمَلُ القليلُ في سُنَّةٍ خَيرٌ مِنْ عَمَلٍ كَثيرٍ في بِدعَةٍ؛ فإنَّ البِدعةَ تُهلِكُ صَاحِبَهَا وتوقعَهُ في الحَسَراتِ، وعليكُم بإحياءِ السُّنَنِ المرضيةِ، وإجَراءِ الطُّرُقِ الشّرعِيَّةِ من غَيرِ خوفِ لومةِ اللائِمَاتِ، وتَذَكَّرُوا يومًا ثقِيلًا تَنشَقُّ فِيهِ السَّماوات وتساقُطُ الكَواكِبُ النَّيِّراتِ، يوم تُبَدَّل الأرضُ غير الأرضِ والسَّماوات، وبَرزُوا فِيهِ للهِ الواحدِ القهَّارِ ذِي الآلآء والنَّعماءِ السَّائِلات، يومٌ يَفرُّ المرءُ فيهِ من أخيهِ، وأمّه وأبيهِ، وصَاحِبَتِه وَبَنِيهِ وَالبنَات، يَومٌ يُحَاسَبُ فيهِ كُلّ امرئٍ بِمَا كَسَبَ مِنَ الأعمالِ الخَبيثةِ والصَّالحَاتِ، فَمَا أعددتُّمُ من الجَوَابِ إذا حَضَرَ عندكُم الكتابَ، وسُئِلْتُم عن عمرِكُم فِيما أفنيتم وعن مالِكُم من أينَ اكتسبتم، وفي أيّ وجهٍ صَرَفْتُم، وعن جميعِ الحَرَكاتِ والسَّكَنَاتِ؟
اللهَ اللهَ عِبَادَ اللهِ؛ اتقُوا اللّه وَحَاسبُوا نُفُوسَكُم قَبلَ أن تُحَاسَبُوا في العَرصَاتِ (1) ، وموُتُوا قبلَ أن تَموتوا لِتَنالوا الحياةَ الدّائمةَ، والبَاقياتُ الصَّالحَاتِ.
(1) العَرْصَة: بوزن الضَّرْبَة، كل بقعة بين الدور واسعة ليس فيها بناء، والجمع العراص والعرصات. (( مختار الصحاح ) ) (ص424) .