أيُّها المسُتَطِيعونَ تَزَوَّدُوا لِلَّرحِيلِ إلى البيتِ الجَلِيلِ، ولا تَسلكوا سُبَلَ الضَّلاَلِ والطُّغيانِ، ما هذه البَطَالةُ؟ ما هذا الغُفُولُ؟ أتعلمون أنَّ عُمْرَكُم يطُولُ، هذا ظنٌّ فاسِدٌ، وعلمٌ كاسِدٌ ليس عليه بُرهانٌ، اغتنموا الفرصةَ، واتَّقُوا فُجَأةَ المنيةِ؛ لعلكم لا تجدونَ العَام القابلَ في هذَهِ الدَّارِ دَارِ الخُسَرانِ، أينَ من كَانَ مَعَكمُ في السَّنَةِ الماضية؟! أين أباؤكُم وأبناؤُكُم؟! أين أجدادُكُم وأحبابُكم والأقرانُ؟! أما سمعتم قوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} (1) ، أغشاوة على القلوبِ أم صَمٌّ في الآذانِ، اتركوا المالَ والأولادَ والأحبابَ والأحفادَ، فلا يذهبُ أحدٌ معكم في بيتِ الأحزانِ، وأسرعوا إلى حَجِّ البيتِ العتيقِ، بيتٌ مُّبَاركٌ طافتْ بِهِ الملائِكَةُ قَبْلَ خَلِقِ الخَلْقِ بِألفي عَامٍ وَتِيبَ بِطوافِه على سَيِّدِنا آدمَ على نَبِيِّنا وعليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فيهِ آيات بيِناتٌ مِنها مَقَامُ سيِّدَنا إبراهيم، بَيْتٌ جَعَلَهُ اللهُ آمنًا، وعظَّمَهُ حَبِيبُ الرَّحمنِ، بَيتٌ تُضَاعَفُ فيهِ الحَسَنَاتُ، وتُغْفَرُ بِطوافهِ الخَطِيئاتُ، وتُعْتَقُ الرِّقَابُ مِنَ النِّيرانِ، كم مِّن عَاصٍ طَافَ بالبيتِ فَنَجا؟ وكم مِن مُّذنبٍ حَجَّ البيتَ فَصَار كيومٍ وَلَدَتُهُ أمُّه؟ وَكَم مِن هَالِكٍ وقَفَ بِعرَفةً فُعتق من عذابِ النِّيران؟ وحَركُوا نوق الشَّوقِ بِشِدَّةِ الذَّوقِ إلى زِيَارَةِ سيَّدِ بني عدنانٍ، فواللهِ لولا حرمَتَهُ وظِلَهُ علينا لغَضِبَ (2) عَلينا الرَّحمنُ، وَخَسَفَ بِنَا المكَانُ، كيف لا، وقد كثُرت فينا الكبائِرُ، وفشتِ الصَّغَائِر وصُنوف العصيان، تحاسدنا وتدابرنا وتجادلنا وتَنَاقَشنَا، وغُصْنَا في بحارِ العِصيان، كَبُرَ الجَهْلُ والعَمَى، وكَثُرَ الرِّبَا، وشربُ الخمورِ
(1) من سورة الرحمن، الآية (26) .
(2) في الأصل: (( الغضب ) ).