حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا.
اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قَوْلِهِ: كُذِبُوا، فَقَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَأَبُو جَعْفَرٍ: كُذِبُوا بِالتَّخْفِيفِ، وَكَانَتْ عَائِشَةُ تُنْكِرُ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ. وَقَرَأَ الآخرون بالتشديد، فمن شدّده قَالَ: مَعْنَاهُ حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ، الرُّسُلُ مِنْ إِيمَانِ قَوْمِهِمْ وَظَنُّوا أَيْ أَيْقَنُوا يَعْنِي الرُّسُلَ أَنَّ الْأُمَمَ قَدْ كَذَّبُوهُمْ تَكْذِيبًا لَا يرجى بعده [1] إِيمَانِهِمْ، وَالظَّنُّ بِمَعْنَى الْيَقِينِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ قَتَادَةَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ مِمَّنْ كَذَّبَهُمْ مِنْ قَوْمِهِمْ أَنْ يُصَدِّقُوهُمْ، وَظَنُّوا أَنَّ مَنْ آمَنَ بِهِمْ مِنْ قَوْمِهِمْ قَدْ كَذَّبُوهُمْ [2] وَارْتَدُّوا عَنْ دِينِهِمْ لِشِدَّةِ الْمِحْنَةِ وَالْبَلَاءِ عَلَيْهِمْ وَاسْتِبْطَاءِ النَّصْرِ. وَمَنْ قَرَأَ بِالتَّخْفِيفِ قَالَ: مَعْنَاهُ حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ مِنْ إِيمَانِ قَوْمِهِمْ وَظَنُّوا، أَيْ: ظَنَّ قَوْمُهُمْ أَنَّ الرُّسُلَ قَدْ كَذَبَتْهُمْ فِي وعيد العقاب.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ معناه ضعف قلوبهم [الرُّسُلِ] [3] ، يَعْنِي: وَظَنَّتِ الرُّسُلُ أَنَّهُمْ قد كَذَبُوا فِيمَا وَعَدُوا مِنَ النَّصْرِ، وَكَانُوا بَشَرًا فَضَعُفُوا وَيَئِسُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أَخْلَفُوا، ثُمَّ تَلَا: حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ [البقرة: 214] ، جاءَهُمْ، أَيْ: جَاءَ الرُّسُلَ نَصْرُنَا. فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ، قَرَأَ الْعَامَّةُ بِنُونَيْنِ، أَيْ: نَحْنُ نُنَجِّي مَنْ نَشَاءُ. وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَعَاصِمٌ وَيَعْقُوبُ بِنُونٍ وَاحِدَةٍ مَضْمُومَةٍ وَتَشْدِيدِ الْجِيمِ وَفَتْحِ الْيَاءِ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، لِأَنَّهَا مَكْتُوبَةٌ في المصحف بنون واحدة مضمومة، فَيَكُونُ مَحَلُّ مَنْ رَفْعًا عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ، وَعَلَى الْقِرَاءَةِ الْأُولَى يَكُونُ نَصْبًا، فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ عِنْدَ نُزُولِ الْعَذَابِ، وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ الْمُطِيعُونَ. وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا، عَذَابُنَا، عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ، أي: الْمُشْرِكِينَ.
لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ، أَيْ: فِي خَبَرِ يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ، عِبْرَةٌ عِظَةٌ، لِأُولِي الْأَلْبابِ مَا كانَ، يَعْنِي: الْقُرْآنَ، حَدِيثًا يُفْتَرى، أَيْ: يُخْتَلَقُ، وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي، أَيْ: وَلَكِنْ كَانَ تَصْدِيقَ الَّذِي، بَيْنَ يَدَيْهِ، مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ، مِمَّا يَحْتَاجُ الْعِبَادُ إِلَيْهِ مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَهُدىً وَرَحْمَةً، بَيَانًا ونعمة، لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ، [والله تعالى أعلم] [4] .
تمّ الجزء الثاني ويليه الجزء الثالث وأوّله سورة الرعد.
تمّ بحمد الله ومنّه وكرمه تخريج وتحقيق الجزء الثاني من تفسير الإمام البغوي ويليه الجزء الثالث إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
(1) فِي المطبوع «بعد» .
(2) في المخطوط «كذبوا» .
(3) زيادة عن المخطوط.
(4) زيادة عن المخطوط.