فلذلك الحقيقة أن الله جل جلاله هو (المسعِّر) ، أما أن يكون الناس في رخاء وفي بحبوحة، والمواد موفورة، والناس في غنى، وتأتي أنت ولي الأمر لتضع أسعارا هابطة فتعيق الناس عن أرباحهم، فهذا ظلم، من هنا تبين أن النبي عليه الصلاة والسلام رفض أن يسعِّر، لما قيل له:
(( يَا رَسُولَ اللَّهِ، سَعِّرْ لَنَا، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُسَعِّرُ ) )
لذلك إذا كان الناس في رخاء، وفي بحبوحة، والمواد متوافرة، والناس في غنى، فالتسعير القسري قد يمنع الخير عن معظم الناس، فالنبي عليه الصلاة والسلام أبى أن يسعر، لأنه بيّن أن التسعير أحيانًا يقع في حالة من الظلم لا يرضاها النبي لنفسه.
3 -جواز التسعير في حالات الجشع وغلاء الأسعار تحقيقًا للمصلحة العامة:
ولكن هناك حالة ثانية أقرها الفقهاء، حينما يكون البائع جشعًا، ويريد أن يربح أرباحًا طائلة، ويحتكر المواد، ويقنن على الناس بغية ارتفاع الأسعار، ومضاعفة الأرباح، حينئذٍ يتدخل ولي الأمر لرحمة الناس، ولتوفير المواد فيسعر.
إذًا: عندنا تسعير ظالم، و تسعير يعدّ حكيمًا من قِبل ولي الأمر.
دائمًا الشريعة كما قال بعض العلماء:"عدل كلها، رحمة كلها، حكمة كلها مصلحة كلها، فأية قضية خرجت من المصلحة إلى المفسدة، من العدل إلى الجور، ومن الحكمة إلى خلافها، فليست من الشريعة، ولو أدخلت عليها بألف تأويلٍ وتأويل."
فالحقيقة الأولى في هذا اللقاء: أن التسعير إذا كان مؤديًا إذا ظلم عميم فالنبي حرمه، أما إذا تدخل ولي الأمر بإنقاذ الفقراء من جشع الأغنياء، ومن رفع الأسعار رفعًا مفتعلًا عن طريق الاحتكار، ومنع بيع البضاعة، أو الإيهام، أو التدليس، عندئذٍ أقر الفقهاء لولي الأمر في حالات يقع فيها ظلم شديد أن يسعر.